لك ما وجد وقدره عليك وقضاه كما قال سبحانه :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) [ الأعراف : 102 ] وقال سبحانه :
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
( 36 ) [ الذاريات : 36 ] وقال سبحانه :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) [ الضحى : 7 ] فللّه حينئذ عليك المنة بالوجود وبالحكم عليك بجميع ما حكمت به أنت على نفسك وأنت معدوم فكشف بعلمه القديم عنك فوجدك كذلك وأنت لست شيئا مذكورا فجعلك شيئا مذكورا بإيجاده لك وبحكمه عليك على طبق ما علمه منك من حكمك على نفسك فجميع أحوالك منك له أولا عدما ومنه لك ثانيا وجودا ( فلا تحمد ) حينئذ على جميع أحوالك الحسنة من جهة خصوصها العدمي الأصلي الرتبي ( إلا نفسك ) ، لأنها هي التي أعطته ذلك بانكشافها بعلم القديم وأما من جهة إيجاد ذلك لك والحكم به عليك طبق ما حكمت به أنت على نفسك وباختياره وبإرادته فله سبحانه المنة عليك بكل ذلك كما قال تعالى :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( 20 ) [ المرسلات : 20 ] ، وقال تعالى :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات :
17 ] ونحو ذلك .
( ولا تذم ) أيضا على جميع أحوالك القبيحة ( إلا نفسك ) ، لأنها هي التي أعطته ذلك فأوجده لها . قال تعالى :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 118 ] ، ( وما يبقى للحق ) سبحانه عليك ( إلا حمد إفاضة الوجود ) منه تعالى على جميع أحوالك الحسنة والقبيحة ، فتصل بسبب فيض ذلك الوجود إلى جميع أغراضك في الدنيا والآخرة ، الأغراض الحسنة والأغراض القبيحة ، فيرحمك بذلك الفيض على حسب ما تقتضيه ذاتك ، فله المنة عليك في الخير والشر ( لأن ذلك ) يعني إفاضة الوجود ( له ) سبحانه فقط على كل شيء لأنه الوجود الحق ، ولا شيء من أحوال كل شيء له سبحانه لتنزهه عن جميع ذلك ( لا لك ) ، لأنك معدوم الأصل ، فلا وجود لك ليأخذه منك بعلمه القديم ويعطيك إياه كفعله بباقي أحوالك وإذا كان الأمر كذلك .
* * * فأنت غذاؤه بالأحكام ، وهو غذاؤك بالوجود .
فتعيّن عليه ما تعيّن عليك .
فالأمر منه إليك ومنك إليه .
غير أنّك تسمّى مكلّفا وما كلّفك إلّا بما قلت له كلّفني بحالك وبما أنت عليه ، ولا يسمّى مكلّفا اسم مفعول .