وما يبقى للحقّ إلّا حمد إفاضة الوجود لأنّ ذلك له لا لك .
( فإن ثبت ) عندك ( أن الوجود ) الذي تزعم أنك فيه وأن كل شيء فيه أيضا هو بعينه منسوب عندك ( للحق تعالى ) بعد غسله من جميع أدناس الكيفيات والكميات والأماكن والأزمان وتقديسه وتطهيره من سائر الأحوال الكونية ( لا ) أنه منسوب عندك ( لك ) بحيث شهدت أنك وأن كل شيء من الكائنات أمور عدمية مقدرات بالمقادير الحسية والعقلية والزمانية والمكانية من غير وجود لها ، ثم كل شيء جاء وقته وسبق ما هو مرتب عليه انصبغ بصبغة الوجود الحق ، على أنه ظهر في نور الوجود وهو على ما هو عليه من عدمه الأصلي .
( فالحكم لك ) حينئذ أيضا يا أيها الإنسان عليك ( بلا شك ) ولكن ( في وجود الحق ) تعالى فقد أخذ الحق تعالى منك علمه بك ، وحكم عليك بما علمه منك ، فأنت الحاكم على نفسك به سبحانه .
( وإن ثبت ) عندك ( أنك الموجود ) بالوجود الفائض عليك من وجود الحق سبحانه المتجلي عليك ، وكان عندك الوجود وجودين : قديم هو المفيض وحادث وهو المفاض ، وإن كان أحدهما بالنظر إلى الآخر معدوما كما قال الجنيد رضي اللّه عنه : الحادث إذا قرن بالقديم لا يبقى له وجود ، بإرجاع الضمير إلى الحادث أو إلى القديم ، فالوجود القديم هو الأصلي الخالص المطلق من القيود ، والوجود الحادث هو ذلك الوجود القديم أيضا لكن ممزوج بالصور وأحوالها التي لا وجود لها إلا به ، ومقيد بجميع القيود العدمية التي هو وجودها لا وجود لها غيره ، فالوجود القديم عام والوجود الحادث خاص ، مثل الحيوان والإنسان ففي الحادث ما في القديم وزيادة ، وليس في القديم ما في الحادث من الزيادة .
( فالحكم ) حينئذ أيضا ( لك ) على نفسك ( بلا شك ) لا حد في ذلك ( وإن كان الحاكم ) عندك ( الحق ) سبحانه باعتبار أنه علمك ، فحكم عليك بما علمه منك ، فالحكم إنما ظهر منك عليك ، فهو الحاكم عليك وحده ( فليس له ) سبحانه منك ابتداء أمر من أمورك مطلقا ( إلا إفاضة الوجود ) منه تعالى ( عليك ) فإن إفاضة الوجود ليست مأخوذة منك ومفاضة عليك إذ لا وجود لك أصلا والوجود له سبحانه وحده ، بخلاف سائر أمورك التي أنت ظاهر بها ، فإنها مأخوذة منك ومفاضة عليك ، إذ لا كيفية له تعالى ولا كمية ولا جهة ولامكان ولا زمان .
( والحكم ) بالكيفية والكمية والجهة والمكان والزمان ( لك ) إذ كل ذلك مقتضى أمورك وأحوالك المنكشفة له سبحانه بعلمه القديم ( عليك ) فإنه وجدك كذلك ، فأراد
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 267
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٢٦٧