تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
لها في حضرة عدمها الأصلي بل لها الاستعداد للوجود منه تعالى فقط فأخذ منها صحة قبولها لفيضان وجوده تعالى عليها وأعطاها صحة ذلك القبول ( مما ورد الخطاب ) الإلهي من اللّه تعالى لعباده ( على ) حسب ( ما يعطيه الكشف ) الإلهامي والفتح الرباني ، فإن الشرائع هي الخطاب على العموم لا الخصوص ، وآلة العمومي في الإدراك هي العقل ، وللخصوص آلة أخرى غيرها هي البصيرة المنوّرة بنور الحق سبحانه ، وهي لا تغاير العقل إلا في الإقبال على الحق تعالى والإدبار عنه ، وكل عقل له إقبال وإدبار ، فخلقت البصائر من إقباله والعقول القاصرة من إدباره ، ولسان الشرائع لسان العقول القاصرة كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
[ إبراهيم : 4 ] . وقوم رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم هم الجاهلية أهل العقول القاصرة ، فأرسل بلسانهم ليبين لهم وأهل البصائر المنورة تفهم ما أرسل به منه بالطريق الأولى ، وإن لم يكن بيانه صلّى اللّه عليه وسلم في الأكثر بلسانهم . ( ولذلك ) ، أي لورود الخطاب الإلهي بحسب اصطلاح المخاطبين والنظر العقلي وعدم وروده في الغالب على اصطلاح أهل الكشف ( كثر المؤمنون ) باللّه تعالى إيمانا بالغيب بلا معرفة به سبحانه في كل زمان وهم العامة ( وقل العارفون ) باللّه تعالى ( أصحاب الكشف ) عن حضراته سبحانه ، وإن كانوا موجودين في كل زمان إلى يوم القيامة إن شاء اللّه تعالى ، وهم الخاصة وخاصة الخاصة . وقال اللّه تعالى حكاية عن الملائكة وجميع الخلق كذلك
( وَما مِنَّا )
من أحد مطلقا
( إِلَّا لَهُ مَقامٌ )
في حضرة علم اللّه
( مَعْلُومٌ )
[ الصافات : 164 ] في الأزل ، وهو الكشف عن ذوات الأشياء وأحوالها ، ولهذا قال : ( وهو ) ، أي ذلك المقام المعلوم ( ما ) ، أي الحال الذي ( كنت ) ، أي وجدت يا أيها الإنسان ملتبسا ( به في ثبوتك ) الأصلي في العدم حيث لم تكن شيئا مذكورا ( ثم ظهرت ) الآن متلبسا ( في وجودك ) العارض لك الطارىء على عدمك ، وإنما يقال : ( هذا المقام إن ثبت ) عندك ( أن لك وجودا ) مع وجود اللّه تعالى هو فائض عليك من وجود اللّه تعالى . * * * فإن ثبت أنّ الوجود للحقّ لا لك ، فالحكم لك بلا شكّ في وجود الحقّ . وإن ثبت أنّك الموجود فالحكم لك بلا شكّ . وإن كان الحاكم الحقّ ، فليس له إلّا إفاضة الوجود عليك والحكم لك عليك . فلا تحمد إلّا نفسك ولا تذمّ إلا نفسك .
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 266 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى