وتقدير معنى الآية ( فما شاء ) أن يهديهم أجمعين ( فما هداكم أجمعين ) بل هدى البعض وأضل البعض ، كما قال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] ، وذلك على طبق ما سبق به علمه القديم الكاشف عن المعلومات على طبق ما هي عليه في عدمها الأصلي ( ولا يشاء ) أصلا أن يهديهم أجمعين ، لأن لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما المعلومات عليه في عدمها الأصلي .
( وكذلك ) ، أي مثل هذا التقرير يتقرر معنى الآية الأخرى التي هي قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
( 32 )
( إِنْ يَشَأْ ) ( ) -
يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
[ الشورى : 32 ] وكذلك قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
[ الأنعام : 133 ] ، ويأت بآخرين ونحو ذلك من الآيات وتقديره : فما شاء ، فما أسكن الريح ، ولا أذهبكم لأنه علمكم كذلك ، ولا يشاؤكم إلا كما علمكم ( فهل يشاء هذا ) أي الذي هو خلاف ما أنتم عليه في عدمكم الأصلي حيث علمكم كذلك ( ما ) ، أي شيء ( لا يكون ) ، أي لا يوجد أصلا ، لأنه خلاف ما عليه المعلوم في نفسه فلو وجد لا نقلب العلم جهلا وهو باطل .
* * * فمشيئته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للعلم . والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك فليس للعلم أثر في المعلوم ، بل للمعلوم أثر في العلم فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه .
وإنّما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما أعطاه النّظر العقلي ، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف ولذلك كثر المؤمنون وقلّ العارفون أصحاب الكشوف .
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
( 164 ) [ الصافات : 164 ] .
وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك .
هذا إن ثبت أنّ لك وجودا .
( فمشئته ) سبحانه وتعالى الأزلية المتعلقة بكل شيء ( أحدية التعلق ) ، أي تعلقها أحدي لا تنوّع له أصلا بل التنوّع من قبل الأشياء على ما هي عليه في عدمها الأصلي ، فقد شاء سبحانه من الأزل كل شيء مكشوف عنه بعلمه القديم بمشيئة واحدة متعلقة بكل شيء تعلقا واحدا .
والأشياء مختلفة في نفسها اختلافا كثيرا ، فشاءها مختلفة كذلك ، فأوجدها