الجواب عن ذلك في الآية ( لو شاء ) ومن المعلوم أن كلمة ( لو حرف امتناع ) في الثاني ( لامتناع ) في الأوّل فامتنعت هدايتكم أجمعين لامتناع مشيئته لذلك ، وإذا امتنعت هدايتكم أجمعين ثبتت هداية البعض منكم دون البعض كما هو الواقع وامتناع مشيئته لذلك إنما كان لامتناع ذلك منكم على حسب ما علمكم عليه في نفس الأمر ( فما شاء ) سبحانه لكم من هداية البعض دون البعض ( إلا ما هو الأمر عليه ) في حقائق ذواتكم وأحوالكم المنكشفة له بعلمه القديم على طبق ما هي عليه .
فإن قلت هذا الكلام يقتضي وجود العالم بذواته وجميع أحواله في الأزل حتى ينكشف للعلم القديم ، وإذا كان موجودا فلا حاجة له إلى تعلق الإرادة والقدرة به وإيجادهما له إذ يثبت له الاستغناء حينئذ عن الصانع .
قلنا : هذا الإشكال غير وارد على قاعدة أهل السنة والجماعة من أن اللّه تعالى غير زماني ولا يمر عليه الزمان ، فالماضي والآتي كله حال بالنسبة إليه سبحانه ولا ترتيب بين تعلقات صفاته سبحانه ، لأنها أزلية والأزلي لا يتقدم ولا يتأخر ، فعلمه سبحانه كاشف عن جميع الكائنات من الأزل موجودات بقدرته تعالى في أوقاتها وأزمانها في جميع أحوالها على ما هي مترتبة فيه ، كل شيء في وقته على حسب إرادته ومشيئته سبحانه وتعالى ، ولا وجود لشيء في الأزل أصلا بل لا وجود لشيء في غير وقته الذي أراد سبحانه وجوده فيه ، فجميع ما كان وما يكون من العوالم كلها كانت معدومة عدما صرفا فكشف عنها الحق تعالى من الأزل بعلمه القديم ، وليست هي في العدم بجعل جاعل ، لأن الجاعل إنما هو الإيجاد لا غير فالممكنات كلها أزلية العدم المحض ، وليس عدمها الأصلي من طرف الحق تعالى بل هو مقتضاها في نفسها ، بل جميع أحوالها المترتبة لها وهي معدومة مثلها مقتضى ذواتها على النظام الأكمل والحق تعالى قد كشف عنها بعلمه من الأزل ، فوجد كل شيء موجودا به سبحانه في وقت وجود ذلك الشيء ، وسمع من الأزل كل شيء موجود في وقت وجوده ، وأبصر من الأزل كذلك كل شيء موجود في وقت وجوده ، وأراد كل شيء وقدّر عليه والشيء لا يوجد إلا في وقت وجوده الذي هو مقتضى ذاته حيث كان معدوما ، وقد أراده على حسب ما علمه وقدر عليه كذلك ، فكلما جاء وقت الشيء وجد ذلك الشيء بالقدرة الإلهية مخصوصا بالإرادة الإلهية مكشوفا عنه بالعلم الإلهي إلى أن يتم ذلك الشيء من أوّله إلى آخره ، فالوجود الذي للكائنات من اللّه تعالى لا غير ، والجميع أحوال الكائنات وترتيبها وخصوصياتها ، علمها الحق تعالى منها ، فأرادها وقدر عليها ، فأوجدها لها ، فله عليها هذه الحجة البالغة ، ولو كانت على خلاف ذلك لشاءها كذلك ولو شاءها كذلك لأوجدها كما شاءها ، فما شاء إلا
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 262
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٢٦٢