وهو الأمر الّذي كشفه العارفون هنا فيرون أنّ الحقّ ما فعل بهم ما ادّعوه أنّه فعله وأنّ ذلك منهم ، فإنّه ما علمهم إلّا على ما هم عليه .
فتدحض حجّتهم وتبقى الحجّة البالغة للّه .
فإن قلت : فما فائدة قوله تعالى :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] قلنا لو حرف امتناع لامتناع فما شاء إلّا ما هو الأمر عليه ولكن عين الممكن قابل للشّيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، فذلك هو الّذي عليه الممكن في حال ثبوته .
ومعنى :
لَهَداكُمْ
لبيّن لكم وما كلّ ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ، فمنهم العالم والجاهل .
فما شاء فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء .
وكذلك « إن يشأ » ؟ هذا ما لا يكون .
( وهو ) ، أي الساق المذكور ( الأمر ) العظيم ( الذي كشفه العارفون ) باللّه تعالى ( هنا ) يعني في الحياة الدنيا قبل الآخرة وذلك هو الكشف الثاني ( فيرون ) أي المحجوبون حينئذ ( أن الحق تعالى ما فعل بهم ما ) أي ذلك الفعل الذي ( ادعوه أنه فعله بهم ) ( كما هو مقتضى الكشف الأوّل ) و ( يرون ) أن ذلك ( الفعل ) المذكور حاصل ( منهم ) به ( فإنه ) سبحانه ( ما علمهم ) في حضرة أزله ( إلا على ما ) ، أي الوصف الذي ( هم عليه ) في حضرات وجودهم الأبدية وما فعل بهم إلا ما علمه منهم فالإيجاد منه لا غير وجميع أحوالهم علمها منهم فأوجدها لهم على طبق ما علمها وحيث ظهر لهم ذلك وانكشف عندهم ( فتندحض ) ، أي تبطل في نظرهم أيضا كما هي باطلة في نفس الأمر ( حجتهم ) التي هي أن الحق تعالى فعل بهم جميع ما فعلوه على حسب الكشف الأوّل ( وتبقى الحجة )
( الْبالِغَةُ )
عليهم التي هي أن الحق تعالى ما فعل بهم ما فعلوه هم وإنما هم الفاعلون به جميع ما فعلوه ، لأنه علمهم كذلك فأوجدهم على طبق ما علمهم .
إذا تقرر هذا ( فإن قلت ) : يا أيها الإنسان ( فما فائدة قوله تعالى ) في آخر الآية المذكورة
( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ )
، أي أوصلكم إلى معرفته المطابقة لمقتضى شرعه
( أَجْمَعِينَ )
[ الأنعام : 149 ] ولم يزغ قلب أحد منكم عن ذلك ، فإن هذا يقتضي أن جميع ما أنتم فيه مقتضى مشيئته وحكمه ، لا مقتضى ما أنتم عليه في حضرة علمه بكم ، فيكون علمكم كما شاء وحكم لا شاء وحكم على مقتضى علمكم عليه ( قلنا ) في