حينئذ ( سمع الخلق ) الذي يسمع به ( وبصره ) الذي يبصر به ( ويده ) التي يبطش بها ( ورجله ) التي يمشي بها ( وجميع قواه ) من النطق والفهم ونحو ذلك ( كما ورد ) عن النبي عليه السلام ( في الخبر الصحيح ) « 1 » في حق المتقرب بالنوافل .
* * * ثمّ إنّ الذّات لو تعرّت عن هذه النّسب لم تكن إلها .
وهذه النّسب أحدثتها أعياننا فنحن جعلناه بمألوهيّتنا إلها .
فلا يعرف الحقّ حتّى نعرف قال عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، وهو أعلم الخلق باللّه .
فإنّ بعض الحكماء وأبا حامد ادّعوا أنّه يعرف اللّه من غير نظر في العالم وهذا غلط .
نعم تعرف ذات قديمة أزليّة لا يعرف أنّها إله حتّى يعرف المألوه فهو الدّليل عليه .
ثمّ بعد هذا في ثاني الحال يعطيك الكشف أنّ الحقّ نفسه كان عين الدّليل على نفسه وعلى ألوهيّته .
( ثم إن الذات ) الإلهية ( لو تعرت عن هذه النسب ) التي هي الأوصاف والأسماء والأفعال والأحكام ( لم تكن إلها وهذه النسب ) المذكورة ( أحدثتها ) عندنا له أي أظهرتها من قوله تعالى :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ
[ الشعراء : 5 ] ، أي عندهم ( أعياننا ) إذ لا يتصف اللّه تعالى بالقدرة ويسمى بالقدير ويفعل ويحكم إلا بعد إمكان تصوّر مقدور ومفعول ومحكوم عليه ، فالمقدورات الممكنة كشف عنها علمه من الأزل ، فأرادها فقدر عليها ، فهو بها عالم مريد قادر .
( فنحن ) لأننا عين تلك المقدورات الممكنة العدمية ( جعلناه ) من حيث ظهوره
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصره به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألتي لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما تردت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته » . رواه البخاري في صحيحه ، باب من جاهد نفسه في طاعة اللّه ، حديث رقم ( 6137 ) [ 5 / 2384 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من الثقة باللّه . . ، حديث رقم ( 347 ) [ 2 / 58 ] ورواه غيرهما .