في سبب تسمية إبراهيم عليه السلام خليلا لتخلل الحق تعالى في وجود صورته كما ذكرناه من غير حلول ولا اتحاد . وأشار إلى حكم الأوّل في سبب التسمية بقوله ( ألا ترى ) أيها المنصف العبد ( المخلوق يظهر ) في مقام كماله ( بصفات الحق ) تعالى ( من أوّلها إلى آخرها ) فيسمع به ويبصر به ويتكلم به إلى غير ذلك ، من قبيل قولهم لا حول ولا قوّة إلا باللّه ، فإن الحول والقوّة شاملان لجميع الصفات ( وكلها ) ، أي صفات الحق تعالى ( حق له ) ، أي للمخلوق لظهوره بها من وراء سمعه وبصره وكلامه وباقي صفاته العرضية الحادثة ، لأنها تضمحل عند ظهور تلك الصفات القديمة الحقيقية له ( كما هي ) ، يعني ( صفات المحدثات ) العرضية الحادثة ( حق للحق ) سبحانه وتعالى باعتبار أنها آثاره ، فهي منتهى ظهوره ، ولا ظهر بها غيره كما لا باطن عنها غيره ، فهو الظاهر والباطن لا غير وقال اللّه تعالى :
* * *
الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الفاتحة : 2 ] فرجعت إليه عواقب الثّناء من كلّ حامد ومحمود
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] فعمّ ما ذمّ وما حمد وما ثمّ إلّا محمود أو مذموم .
اعلم أنّه ما تخلّل شيء شيئا إلّا كان محمولا فيه فالمتخلّل اسم فاعل - محجوب بالمتخلّل - اسم مفعول . فاسم المفعول هو الظّاهر ، واسم الفاعل هو الباطن المستور ، وهو غذاء له كالماء يتخلّل الصّوفة فتربو به وتتّسع فإن كان الحقّ هو الظّاهر فالخلق مستور فيه ، فيكون الخلق جميع أسماء الحقّ سمعه وبصره وجميع نسبه وإدراكاته . وإن كان الخلق هو الظّاهر فالحقّ مستور باطن فيه ، فالحقّ سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه كما ورد في الخبر الصّحيح .
( الْحَمْدُ )
، أي كل فرد من أفراده الصادرة من كل شيء لكل شيء محمود أو مذموم على أنه المحمود عند القائلين بحمد المذموم مذموم والمذموم عند القائلين بذم المحمود محمود ، فالكل محمود عند الكل ، فحمد الكل للكل
( لِلَّهِ )
تعالى ، أي مستحق له تعالى ( فرجعت إليه ) سبحانه ( عواقب الثناء ) ، أي الحمد ( من كل حامد ومحمود ) على الإطلاق ، لأنه الخالق على كل حال فصفات المحدثات حق له وصفاته حق لهم ، لأنه حمدهم نفسه له وحمده نفسه لهم وقال تعالى :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ
[ هود : 11 ] الواحد الظاهر بصور الخلق الكثير ، ولهذا أكده بقوله ( كله فعم )