لما يقع في أفهام المحجوبين من أهل العلم الظاهر عند إطلاق نحو ما ذكرنا من العبارات ، لأن ذلك الوهم مبني على القصور في الأفهام فلا اعتبار به .
( قال الشاعر ) من العرب في إثبات ذكر معنى الخليل ( قد تخللت ) ، أي استوليت مستقصيا جميع ( مسلك ) ، أي موضع سلوك ( الروح ) في الجسد ( مني ) ظاهرا وباطنا ( وبذا ) المعنى المذكور ( سمي الخليل ) المشتق من الخلة وهي زيادة المحبة ( خليلا ) فهو فعيل بمعنى مفعول ( كما يتخلل اللون ) الأسود والأحمر ونحو ذلك ( في ) الشيء ( المتلوّن ) بذلك اللون فإنه يستولي عليه بحيث لا يبقى منه جزء إلا وينصبغ به ( فيكون العرض ) الذي هو اللون مثلا ( بحيث ) يكون ( جوهره ) يعني على طبق حيثية جوهره من الكبر والصغر والطول والقصر ( ما هو كالمكان ) الذي يستقر عليه الشيء ( والمتمكن ) فيه فإنه لا يعم أعلاه وجوانبه بل أسفله فقط ( أو ) سمي الخليل خليلا ( لتخلل ) ، أي سريانه بطريق الاستيلاء ( الحق ) تعالى ( في وجود صورة إبراهيم عليه السلام ) في ظاهرها وباطنها ، لأنه ممسكها ومكوّنها وهي طبق علمه وإرادته ولا وجود لها إلا به لا بنفسها فهو وجودها الذي هي موجودة به وهي في نفسها معدومة .
قال تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] ، وقيامه تعالى على كل نفس بما كسبت قيوميته تعالى للنفوس وإمساكه لها بوجوده الحق ، فإنه تعالى كما أخبر خلق السماوات والأرض بالحق ، والحق هو وجوده تعالى ، فقد خلق الأشياء بوجوده ، فهو وجود الأشياء الذي هي موجودة به ، والأشياء على ما هي عليه في نفسها من غير وجود آخر لها ، وليس هذا الكلام طعنا في وجود الحق تعالى أو نقصانا فيه ، لأن المعدومات لا تحل في الموجود ولا يحل فيها ، ولا تنقص من كماله إذ لا وجود لها من غيره حتى يغير من وجوده تعالى .
( وكل حكم ) حكمنا به في سبب تسمية إبراهيم عليه السلام خليلا . ( يصح من ذلك ) الحكمين المذكورين ( فإن لكل حكم ) من الحكمين المذكورين ( موطنا يظهر ) ذلك الحكم ( به لا يتعداه ) إلى غيره فالحكم الأوّل بأن سبب تسميته خليلا لتخلله جميع أوصاف الذات الإلهية وجمعه لذلك بجملته صحيح على معنى ظهور أوصاف الحق تعالى كلها القديمة بالأوصاف العرضية الحادثة ظهورا تضمحل فيه الأوصاف الحادثة لعدم وجودها في نفسها ، وتظهر الأوصاف القديمة لوجودها في نفسها من حيث إنها عين الذات وإن كانت غير الذات أيضا بوجه آخر ، والحكم الثاني بأن سبب التسمية لتخلل الحق تعالى بنفسه في وجود صورة إبراهيم عليه السلام صحيح أيضا ، لا على معنى الحلول أو الاتحاد ، فإن ذلك لا يتصوّر عند من يؤمن بأن اللّه