كل معقول ومحسوس صورة ظاهرة في مرآة الطبيعة من تجلي حضرات الحق تعالى المتوجه بما يريد مما يعلم من كل شيء ، فالمعقول والمحسوس الصور والطبيعة والنظر الواحد واقع على الشيئين معا . والصور حاجبة للطبيعة فالمعقول والمحسوس هو الصور وحدها ، والطبيعة في غيبه لصور مخفية ، ويشبه أن يكون كل معقول ومحسوس صور مختلفة ظاهرة في مرايا الخطوات الإلهية من تجلي الحق تعالى على الطبيعة الواحدة ، فالطبيعة ظاهرة بصورة كل شيء في مرايا التجليات الإلهية ، فالمعقول والمحسوس هي التجليات الإلهية مع الصور الطبيعية القائمة بها ، والنظر الواحد واقع على هذين الشيئين ، والصور حاجبة للتجليات وللطبيعة ، فالمعقول والمحسوس هو الصور وحدها والتجليات غيب في تلك الصور ، وكمال الطبيعة غيب في الصور أيضا . فتارة يقول الحائر في نفسه هذه طبيعة مصبغة بصبغة كل شيء . وتارة يقول : كل شيء ، وتارة يدقق النظر فيقول تجليات الإلهية بصور طبيعته وتردد في هذا كله .
( ومن عرف ما قلناه ) من أن الحق المنزه هو الحق المشبه مع تمييز أحدهما عن الآخر كما سبق بيانه ( لم يحر ) لتحققه بالأمر على ما هو عليه من جهة انكشافه والتباسه ( وإن كان ) يعني العارف بما قلناه ( في مزيد علم ) مع أن الأنفاس كلما مر عليه نفس زاد علمه بالحق والخلق ، فإن زيادة العلم لا تقتضي الحيرة بل هي علوم يقينية بعضها فوق بعض ( فليس ) ذلك المزيد من العلم داخلا عليه ( إلا من حكم المحل ) الذي يتوارد به من حيث إطلاقه عليه لا من حيث تقييده ( والمحل ) المذكور ( هو عين ) ، أي ذات ( العين ) ، أي الذات ( الثابتة ) التي لا تتغير عندنا بتغيير جميع قيودها ، فإن علم المحل يقتضي الانكشاف التام فيما لا نهاية له ، فحكمه زيادة العلم مع الأنفاس والعين الثابتة ذات الحق تعالى من حيث معرفتنا بها ، وعين هذه العين ذاته تعالى من حيث ما هو في نفسه غيب عنا ( فبها ) ، أي بعين العين المذكور ( يتنوع الحق ) تعالى للحس والعقل ( في المجلى ) ، أي موضع الانجلاء ، أي الانكشاف ( فتتنوّع الأحكام ) منه ( عليه ) سبحانه إذ لكل نوع من ذلك حكم خاص به ( فيقبل ) سبحانه وتعالى من حيث ظهوره في كل مظهر ( كل حكم ) يخص ذلك المظهر الذي يظهر فيه ( وما يحكم عليه ) تعالى من حيث نحن بتلك الأحكام المتنوعة ( إلا عين ما تجلى فيه ) من المراتب الممكنة المقدرة بعلمه تعالى وإرادته تعالى ، لأنه يظهر لنا بها فتحكم عليه من ظهوره عندنا ، وهو على ما هو عليه في ظهوره لنفسه من إطلاقه الكلي ( ما ثمة ) ، أي هناك في حقيقة الأمر ( إلا هذا ) الذي ذكر من ظهوره تعالى
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 243
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٢٤٣