فقد أراد بها النفوس . والنفوس كثيرة لكل شيء نفس تليق به ، فنفس الإنسان ليست كنفس الحيوان ، ليست كنفس النبات ، ليست كنفس الجماد ونحو ذلك .
قال تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] . والنفوس هي التي تموت كما قال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ الزمر : 42 ] ،
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
[ الأنعام : 93 ] ،
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، والروح لا يموت لقيامه بالحق تعالى في كل الأمور .
( فما رأى ) إبراهيم عليه السلام ( في منامه أنه يذبح سوى نفسه ) التي هي نفس ابنه والرائي هو الروح الواحد الكلي المسمى إبراهيم عليه السلام باعتبار قيد تلك النفوس المخصوصة ، وذلك الجسد المخصوص ، فإن توجه المجامع في وقت استفراغ النطفة لم يزل ساريا في تلك النطفة حتى يظهر على صورة المستفرغ لها والتوجه يصحبها من حيث روح المتوجه لا من حيث نفسه ، وللروح الواحد الكلي باعتبار كل نفس مخصوصة في جسد مخصوص ظهور خاص ، فنفس الابن بسبب ذلك نفس الأب ، لأن خصوص الروح توجه فأنتج خصوص روح آخر ، فهما نفسان لروحين مخصوصين هما : روح واحدة مخصوصة بمنزلة أطوار الشخص الواحد .
( وفداه ) ، أي فداء الابن أبوه من حيث كون الأب نفس الأمر الإلهي ظاهرا في مظهر روح مخصوص كلي متوجه على نفس مخصوصة في جسد مخصوص ( بذبح ) ، أي حيوان يذبح ( عظيم ) وعظمه باعتبار نيابته عن نبي كريم كنيابة الجسد في الدنيا بالموت والفناء عن الروح الأعظم ذات النفس الزكية ، فالجسد فداء للروح فهو عظيم بعظمها ( فظهر بصورة كبش ) في عالم الحس ( من ظهر ) في عالم الخيال ( بصورة إنسان ) ، وفي عالم الحس أيضا وهو الذبيح عليه السلام ، فذبح في صورته الحسية الكبشية ولم يذبح في صورته الخيالية الإنسانية ، لأن الصورة الخيالية صورة وحي لإبراهيم عليه السلام ، لأن منام الأنبياء عليهم السلام وحي من اللّه تعالى لهم بخلاف الصورة الحسية ، فإنها من ظواهرهم عليهم السلام وبواطنهم محفوظة من الخطأ ، فرأى في عالم وحيه المنامي ذبح صورة ابنه الإنسانية ، فظهرت له في عالم حسه في صورة كبش فذبحها ، وإنما غسل أوساخ الطبيعة من وجه روحانية ابنه .
( وظهر بصورة الولد ) في عالم الحس وعالم الخيال باعتبار تخلق نطفته بتوجه روحانيته في وقت الجماع على طبق صورته الباطنة والظاهرة ، وهذا التوجه الروحاني من كل ذي روح نظير القبضة التي قبضها السامري من أثر الرسول ، فنبذها في العجل الذي صاغه من الذهب ، فسرت فيه الحياة بإذن اللّه تعالى ( لا بل بحكم )