( كل ذلك ) المذكور الذي هو الأمر الخلق والمخلوق الخالق ناشيء في الظهور ( من عين واحدة ) غيبية منزهة عن الظهور والبطون لإطلاقها الحقيقي حتى عن الإطلاق لأنه يقيدها وهي عين الذات الأحدية ، فالخالق والمخلوق من جملة تعييناتها ، فهما منها كالصفة من الموصوف بها والفعل من الفاعل له ( لا بل هو ) ، أي ذلك الأمر المذكور ( العين الواحدة ) الذاتية المطلقة لا زائدا عليها إلا بحكم المراتب العدمية التي لا وجود لها معها غيرها ( وهو ) ، أي ذلك الأمر ( العيون الكثيرة ) المختلفة التي لا تتناهى مع قطع النظر عن تلك المراتب العدمية التي ظهر هو بها لأنها عدم محض .
قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم وابنه الذبيح عليهما السلام :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
[ الصافات : 102 ] ( فانظر ) ببصرك وبصيرتك
( ما ذا تَرى )
، فإن الأمر واحد فهل تراه خالقا أو مخلوقا فإن كنت تراه خالقا ، فهو المراد ، وإن كنت تراه مخلوقا فإن سبب ذلك استيلاء جسدك الطبيعي على بصرك وبصيرتك لرؤيتك الأمر على خلاف ما هو عليه ، فلا بد من ذبحك ورفع حكم جسدك الطبيعي عنك حتى ترى الأمر على ما هو عليه ، ولهذا لما حصل المقصود بانفصاله عن حكم جسده الطبيعي عنه لم يذبحه ، وتكوّن جسده الطبيعي في صورة كبش ، فهبط إليه من جنة المعارف فذبحه ونجا ابنه من ذلك عليهما السلام
( قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ )
[ الصافات : 102 ] ، ولم يقل : اذبحني لعلمه أن المقصود غير ذلك ، وأن ذلك المقصود قد يحصل بغيره ففعل إبراهيم عليه السلام ما أمر بفعله وهو اتكاء ابنه وإمرار السكين على رقبته ، فتحقق ابنه برفع الأسباب وأن السكين لا تقطع بطبعها ، وإنما هي صورة أمر اللّه تعالى ، فحصل المقصود من المعرفة فارتفع الذبح في الحال ( والولد ) من حيث الروحانية الواحدة الظاهرة في كل صورة من العالم ( عين أبيه ) بل عين كل شيء ، وإن اختلفت النفوس التي هي تدبير ذلك الروح الواحد لكل جسد بما يليق به فالروح واحدة .
قال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
[ الإسراء : 85 ] ولم يقل عن الأرواح . وقال تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا
[ النبأ : 38 ] ، وقال تعالى :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ
[ القدر : 4 ] . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : « الأرواح جنود مجندة » « 1 » ،
هامش
( 1 ) وتتمته : « فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » . رواه البخاري في صحيحه ، باب الأرواح جنود مجندة ، حديث رقم ( 3158 ) [ 3 / 1213 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب الأرواح جنود . . ، حديث رقم ( 2638 ) [ 4 / 2031 ] ورواه غيرهما .