تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
في نفسها هو عين نفيها بعدم زيادتها في الوجود على ذلك الواحد المطلق ، وثبوت الواحد المطلق في نفسه هو ثبوته في الوجود وحده لا يشاركه في الوجود غيره ، وشتان بين ما ثبوته نفيه وما ثبوته وجوده ، وكذلك ثبوت جميع المخلوقات في نفسها غير ثبوت الحق تعالى في نفسه ، فإن ثبوتها في نفسها عين عدمها لأنها غير زائدة على ظهور تفاصيل مجمل حضرات الحق تعالى ، وثبوت الحق تعالى في نفسه وجوده أزلا وأبدا ، وكأن الفاهم المذكور عمي عن قول الشيخ رضي اللّه عنه الحق المنزه ، فإنه إن لم يكن منزها عن مشابهة الخلق المشبه فهو ليس بمنزه ، فكيف يكون أراد أنه وهو الخلق المشبه من حيث إنه خلق مشبه مع أنه منزه عنهم ، وما ذلك إلا أن المحجوبين من أهل الظاهر لما قصرت أفهامهم عن مدارك العارفين الكاملين ، ظنوا أن ذلك النقص الذي فهموه بأفكارهم المدنسة ببغض أهل اللّه تعالى هو مراد اللّه تعالى ، لسوء ظنونهم وعدم عملهم بعلمهم في وجوب تحسين الظن بأهل الإسلام ، واعترافهم بالقصور عن درجتهم حتى يفهموا معاني كلامهم ، لجهلهم المركب في نفوسهم ، فأطالوا فيهم ألسنتهم ، ونفروا منهم أعوانهم ممن دونهم في ذلك العلم الذي هو حجة عليهم ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظم
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ التغابن : 11 ] . ( وإن كان ) في حقيقة الأمر ( قد تميز الخلق ) المشبه ( من الخالق ) المنزه كما تميز الواحد المطلق في حقيقة الأمر عن جميع مراتب العدد بسبب وجوده بنفسه الوجود الحقيقي ووجودها كلها به الوجود المجازي ( فالأمر ) الواحد الظاهر للعقل والحس هو ( الخالق ) من حيث وجوده وتحققه وثبوته ، إذ لا وجود لغيره ولا تحقق ولا ثبوت في الحقيقة ، وهو ( المخلوق ) أيضا من حيث هذه المراتب الإمكانية المقدّرة المفروضة فقط من غير وجود ولا تحقق ولا ثبوت ، الممسكة بذلك الوجود الواحد الحق ، فالوجود للخالق تعالى وحده لا يشاركه فيه غيره أزلا وأبدا ، والمقادير والصور والأماكن والأزمنة وبقية الإمكانات للمخلوق وحده لا يشاركه الخالق في شيء من ذلك أزلا وأبدا والخالق موجود حق ممسك لهذه الإمكانات المقدّرة العدمية ، فكيف لا يظهر وجوده بسبب إمساكه لها ، وكيف لا تتبين وتتميز عنه وعن بعضها بعضا وهو الممسك لها . قال تعالى :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
[ النور : 25 ] ، أي المظهر والمميز للأشياء ( والأمر ) الواحد في نفسه هو أيضا ( المخلوق ) من حيث تقدير جميع هذه الإمكانات العدمية بحكمه وقضائه وهو ( الخالق ) من حيث إن تلك التقديرات الإمكانية التي تسمى بالمخلوقات كلها معدومة محضة والوجود الظاهر لها إنما هو
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 237 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى