سمع سمعه كما أن كل ذات ذاته وليس كل ذات ذاته ، وهذا معنى جمعه بين الأضداد لكمال إطلاقه الحقيقي ( بقول ) ، أي بدليل قول ( النبي صلّى اللّه عليه وسلم ) في حديثه الوارد عنه ( وما حدثت ) ، أي كلمت ( أنفسها ) والضمير للأمة .
وفي رواية خرجها السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به » « 1 » ( فهي ) ، أي النفس ( المحدثة ) ، أي المتكلمة ومع ذلك هي ( السامعة حديثها ) لكن اختلفت مراتب ظهوراتها فكانت محدثة في مرتبة وكانت سامعة لحديثها في مرتبة أخرى ( العالمة بما حدّثت به نفسها ) في مرتبة أخرى .
( والعين ) التي هي النفس الظاهرة لنفسها المتجلية على نفسها ( واحدة ) لا تعدد لها ( وإن اختلفت الأحكام ) الصادرة منها عليها في مراتب صفاتها وإمكان ظهوراتها لها ( ولا سبيل ) لأحد من الناس ، أي لا طريق يجده ( إلى جهل مثل هذا ) الأمر المذكور أبدا ( فإنه يعلمه ) بالضرورة علما واضحا ( كل إنسان من نفسه ) إذ النفس واحدة في كل جسد إنساني بلا شبهة ، وقد اتصفت بالحديث لنفسها فهي محدثة لنفسها وبالسماع لحديثها ، فهي سامعة لحديثها وبالعلم لما سمعته من حديثها ، فهي العالمة بحديثها ومع ذلك هي واحدة لا تعدد فيها أبدا .
( وهو ) ، أي هذا الأمر المذكور في النفس ( صورة الحق ) الذي خلق اللّه آدم عليه كما ورد في الحديث ، فاللّه متكلم وهو سامع لكلامه وهو عالم بمعاني ما تكلم به وقد ظهر لكل واحدة من هذه الحالات الثلاث صورة مخصوصة وربما تكررت الحالة الواحدة منها بصورة مخصوصة لأمر اقتضاه الإطلاق الإلهي ( فاختلطت الأمور ) ، أي التبست ولم تتميز ، فإن المتكلم قد يصير سامعا والسامع متكلما وكل منهما قد يصير عالما بالكلام وبالعكس ، وكل واحدة من هذه الحضرات لها شخص يظهر بها ثم يظهر غيره بها ويظهر هو بما ظهر به غيره ، وهذا هو اختلاط الأمور بسبب عدم لزوم الشخص الواحد لحالة واحدة .
وهذه الحضرات الثلاث مثال في العبارة وإلا فالحضرات لا تحصى كثرة فإن الحليم واللطيف ، والجبار والمنتقم ، والمحيي والمميت ، ونحو ذلك لها أشخاص تظهر بها أيضا ، ثم تتحوّل منها إلى غيرها ، وهكذا والعين واحدة كما ذكر ( فظهرت )
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان . . ، حديث رقم ( 6287 ) [ 6 / 2454 ] ونصه : عن أبي هريرة يرفعه قال : إن اللّه تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم » .