ولما قال تعالى في حق إدريس عليه السلام :
( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا )
( 57 ) ( فجعل عليا نعتا للمكان ) [ مريم : 57 ] ، فلزم علو إدريس عليه السلام بالتبعية وقال تعالى :
( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )
[ البقرة : 30 ] ، يعني يخلفني في القيام مقامي بأن أشتق له ذاتا من ذاتي وصفاتا من صفاتي وأسماء من أسمائي وأفعالا من أفعالي وأحكاما من أحكامي اشتقاق محاكاة معدوم لموجود ( فهذا ) هو ( علو المكانة ) ، أي المنزلة إذ الخليفة في مقام المستخلف فعلوه بالتبعية لعلوه ( وقال ) تعالى ( في حق الملائكة ) عليهم السلام خطابا لإبليس لما أبى عن السجود لآدم عليه السلام
( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ )
[ ص : 75 ] جمع عالي وهم نوع من الملائكة مهيمون في اللّه تعالى لا يعرفون غيره ولا يعرف بعضهم بعضا فكل واحد لا يعرف إلا اللّه تعالى ( فجعل ) سبحانه ( العلو ) في هذه الآية ( للملائكة ) وهو علو لهم بالتبعية لمن هم مهيمون فيه وهو اللّه تعالى فإن من أسمائه العالي لا علو ذاتي لهم ( فلو كان ) هذا العلو لهم ( لكونهم ملائكة ) حتى يكون علوا ذاتيا ( لدخل الملائكة كلهم ) المهيمون منهم وغيرهم ( في هذا العلو ) المذكور .
( فلما لم يعم ) هذا العلو المذكور لجميع الملائكة ( مع اشتراكهم ) كلهم ( في حد ) ، أي تعريف ( الملائكة عرفنا ) يقينا ( أن هذا ) العلو المذكور ( علو المكانة ) ، أي المنزلة لا المكان ( عند اللّه ) تعالى ، لأنهم مهيمون فيه كل واحد منهم لا يعرف غيره تعالى وهو تعالى موصوف بعلو المكانة ، فوصفوهم أيضا بذلك بطريق التبعية له تعالى .
( وكذلك الخلفاء ) عن اللّه تعالى ( من الناس ) وهم الكاملون منهم ( لو كان علوهم بالخلافة ) عنه تعالى التي هي وصفهم ( علوا ذاتيا لكان ) ذلك العلو ( لكل إنسان ) إذ كل إنسان خليفة في الأرض كما قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
[ الأنعام : 165 ] ، ويستخلف ربي قوما غيركم ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ( فلما لم يعمّ ) العلو لكل إنسان إذ من الخلفاء من جار فيما استخلف فيه ، ومنهم من عدل في ذلك ( عرفنا أن ذلك العلو ) الذي للخلفاء الكاملين في مرتبة العلم والعمل إنما هو ( للمكانة ) ، أي المنزلة باعتبار الإقبال عليه والاشتغال به لا باعتبار كونهم خلفاء منه تعالى إذ الكل خلفاء مثلهم ، ولكنهم أعرضوا عنه تعالى ، واشتغلوا في زمان خلافتهم بتنفيذ حظوظهم النفسانية وشهواتهم البهيمية فأخذهم إليه ، وقد أخذ لهم كتبا أحصى عليهم فيها جميع ما فعلوه فحاسبهم ، ووزن أعمالهم ثم حبس من خفت موازينه في جهنم وعفا عمن أراد وأطلق من ثقلت موازينه ولا حساب إلا على الأعمال إذا عزلهم سلطانهم . قال تعالى :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ 25 ثُمَّ