كلمات اللّه لكم كما قال في عيسى عليه السلام :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
[ النساء : 171 ] ، وقال اللّه تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] وهو العلم يطلب المكانة ، أي المرتبة التي له تعالى ، والعمل الصالح يرفعه إلى المكان العالي عن عالم العناصر وهو الجنة فوق السماوات السبع .
( فجمع ) سبحانه ( لنا ) معشر الورثة المحمديين ( بين الرفعتين ) الأولى ( علو المكان بالعمل ) الصالح ( و ) الثانية : ( علو المكانة بالعلم ) اللدني ( ثم قال ) سبحانه ( تنزيها ) له تعالى عن مشابهتنا ( للاشتراك ) ، أي لأجل ما يفهم من الاشتراك بيننا وبينه ( بالمعية ) المذكورة في هذه الآية ، فإن قوله :
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
[ محمد : 35 ] يقتضي اشتراكه معنا فيما نحن فيه من الوجود والاتصاف بالأوصاف ولو من بعض الوجوه ، وهو ممتنع لقدمه وحدوثنا واستغنائه وافتقارنا ، فنزه تعالى نفسه بقوله في آية أخرى
( سَبِّحِ )
، أي نزه وقدس
( اسْمَ )
فكيف صفة فكيف ذات
( رَبِّكَ )
، أي مالكك وهو اللّه تعالى من حيث تجليه عليك حتى ظهرت بتأثير أسمائه وصفاته ، فكيف من حيث ما هو عليه في ذاته
( الْأَعْلَى )
[ الأعلى : 1 ] نعت للاسم أو الرب أي المنزه ( عن هذا الاشتراك ) ، أي المفهوم من آية المعية ( المعنوي ) ، أي من حيث معنى العبادة لا حقيقة الأمر .
( ومن أعجب الأمور ) الإلهية المتضمنة للحكم الربانية ( كون الإنسان ) سبب خلقه على الصورة الإلهية من قوله عليه السلام إن اللّه خلق آدم على صورته .
وفي رواية أخرى : على صورة الرحمن ، لأنه مجموع آثار مختلفة صادرة عن جميع الصفات الإلهية التي هي صورة الحق تعالى ، فإن صورة كل شيء صفاته ( أعلى الموجودات ) كلها على الإطلاق العلوية الروحانية والسفلية الجسمانية والبرزخية النفسانية ( أعني الإنسان الكامل ) في مرتبة الظهور والبطون ، وأما غيره من الناقصين فقد تفرق كماله فيهم ، فهم أنفاسه ، فليسوا على الصورة الإلهية بل على بعضها ، فهم من جملة كمال نسخة الوجود ( و ) مع ذلك ( ما نسب ) ، أي نسب اللّه تعالى ( إليه العلو ) كما تقدم في قوله تعالى :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
[ محمد : 35 ] ( إلا بالتبعية إما إلى المكان ) وهو قوله :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
يعني من جهة عملكم وهو جهادكم في سبيل اللّه فلما علا عملكم علوتم تبعا له ( وإما إلى المكانة وهي المنزلة ) وهو قوله تعالى :
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
فنزلتكم أعلى المنازل بالتبعية لمن هو معكم وهو اللّه تعالى .
( فمن كان علوه لذاته ) ، أي لا تبعا لغيره وهو علو اللّه تعالى ( فهو العلي بعلو المكان ) ، لأن الأماكن كلها منه فعلوها من علوه ( وبعلو المكانة ) أيضا هي المنزلة