لأن المنازل والمراتب كلها منه فعلوها من علوه ( والعلو ) عندنا في حضرة الإمكان ( لهما ) فقط أي للمكان والمكانة ، لأنه العلو المخلوق . وأما العلو الذاتي فليس له فينا وجود ، لأنه العلو القديم فنعلمه إيمانا لا تصورا ( فعلو المكان ) نسب إلى اللّه تعالى في الشرع ك
( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )
( 5 ) [ طه : 5 ] ، فيما أخبر تعالى عن نفسه ( وهو ) ، أي العرش ( أعلى الأماكن ) ، لأنه أول عالم الأجسام والأماكن إنما هي عالم الأجسام ( وعلو المكانة ) ، أي المنزلة والمرتبة نسب إلى اللّه تعالى أيضا في الشرع كقوله تعالى :
( كُلُّ شَيْءٍ )
معقول أو محسوس
هالِكٌ
، أي زائل ومضمحل
( إِلَّا وَجْهَهُ )
[ القصص : 88 ] ، أي ذاته سبحانه وتعالى وقوله عز وجل :
( وَإِلَيْهِ )
من حيث ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه
يُرْجَعُ الْأَمْرُ
الإلهي الواحد وأكده بقوله :
كُلُّهُ
[ هود : 123 ] ، لظهوره عندنا في صور الخلق من حيث ذواتهم وصفاتهم وأسمائهم وأفعالهم وأحكامهم .
وقوله تعالى :
( أَ إِلهٌ )
، أي معبود يعبده أي يذل أي له شيء مطلقا ولا تجد شيئا يذل إلا لشيء مثله من حيث إن اللّه تعالى رتب الأسباب في الوجود فالمعنى هل شيء
( مَعَ اللَّهِ )
والتقدير لا شيء مع اللّه سبحانه نظيره قوله عليه السلام أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد
« ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 »
. فهذه الآيات الثلاث تفيد علو المنزلة للّه تعالى .
ولمّا قال تعالى :
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) [ مريم : 57 ] فجعل « عليّا » نعتا للمكان .
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] ، فهذا علوّ المكانة . وقال في الملائكة :
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ ص : 75 ] فجعل العلوّ للملائكة . فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة ، كلّهم في هذا العلوّ فلمّا لم يعمّ مع اشتراكهم في حدّ الملائكة ، عرفنا أنّ هذا علوّ المكانة عند اللّه وكذلك الخلفاء من النّاس لو كان علوهم بالخلافة علوّا ذاتيّا لكان لكلّ إنسان . فلمّا لم يعمّ عرفنا أنّ ذلك العلوّ للمكانة .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها : باب أيام الجاهلية ، حديث رقم ( 3628 ) [ 3 / 1395 ] .