وَاللَّهُ مَعَكُمْ
في هذا العلوّ ؛ وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة .
( العلو ) الارتفاع وهو نسبة عدمية لا وجود لها إلا بالنظر إلى ضدها وهو السفل ، كباقي النسب كالفوق والقدام واليمين وحقيقة النسبة أمر اعتباري لا يظهر إلا بين شيئين وجوديين ( نسبتان ) ، أي نوعان من النسبة : الأول : ( علو مكان ) ، أي حيز ومحل ولا توصف به إلا الأجسام ( و ) الثاني : ( علو مكانة ) ، أي منزلة ومرتبة ويوصف به كل موجود ( فعلو المكان ) قوله تعالى في حق إدريس عليه السلام
( وَرَفَعْناهُ )
يعني من الأرض التي هي مكان الخلافة الآدمية
( مَكاناً )
، أي حيزا أو محلا
( عَلِيًّا )
[ مريم : 57 ] من العلو المكاني وهو السماء مرتفعة عن الأرض وهي مكان الخلافة الملكية ( وأعلى الأمكنة ) بالنسبة إلى الأفلاك التي دونه والأفلاك التي فوقه ( المكان الذي ) هو كقلب الرحى ( تدور عليه ) بأمر اللّه تعالى ( رحى عالم الأفلاك ) كلها من تحته ومن فوقه كالعقل في هذه النشأة الآدمية تدور عليه الأفلاك الحواس الظاهرة وهي السفلية خمسة والدم واللحم وأفلاك الحواس الباطنة وهي العلوية خمسة والطبع والنفس كما سنبين لك ذلك .
( وهو ) ، أي المكان المذكور ( فلك الشمس ) وهو أوسط الأفلاك في السماء الرابعة ( وفيه مقام روحانية إدريس ) عليه السلام وهو المكان العلي الذي رفع إليه بعد موته ( وتحته سبعة أفلاك ) في ثلاث سماوات وأربع كرات ( وفوقه سبعة أفلاك ) في ثلاث سماوات وأربع كرات ( وهو ) ، أي فلك الشمس ( الخامس عشر ) فلكا ( فالذي فوقه ) من الأفلاك السبعة الأول منها :
( فلك الأحمر ) وهو المريخ وهو بمنزلة الحس المشترك من الحواس الباطنة ، لأن جميع الصور المحسوسة بالحواس الظاهرة تنتهي إليه .
( و ) الثاني ( فلك المشتري ) ، وهو بمنزل الخيال ، لأنه قوة يحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها .
( و ) الثالث ( فلك كيوان ) وهو زحل ، وهو بمنزلة الوهم لأن من شأنه إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته ، وهو حاكم على جميع القوى الجسمانية كلها مستخدم لها .
( و ) الرابع : ( فلك المنازل ) وهو فلك الكواكب الثوابت ، وهو بمنزلة القوة الحافظة ، لأن من شأنها حفظ ما يدرك الوهم من المعاني الجزئية ، فهو الوهم كالخيال للحس المشترك .