4 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية
هذا فص الحكمة الإدريسية .
ذكره بعد حكمة نوح عليه السلام ، لأن أسرار نوح عليه السلام مبنية على الترقي في فلك الشمس كما مر ، وإدريس عليه السلام رفعه اللّه تعالى إلى فلك الشمس ، فهو صاحب فلكها فعنده علم الحقيقة النوحية فناسب ذكره بعده .
( فص حكمة قدوسية ) ، أي منسوبة إلى قدوس بالتشديد كلمة تقديس وتنزيه للّه تعالى عى وجه المبالغة ( في كلمة إدريسية ) .
إنما اختصت حكمة إدريس عليه السلام بالقدوسية ، لأن اللّه تعالى رفعه مكانا عليا ، وهو مكان التقديس في حضرة روح القدس ، فكان على قدم نوح عليه السلام في غاية تنزيه الرب جل وعلا ، ولم يقدر على ذلك بحقيقته ، فرفعه اللّه تعالى المكان العلي ، وقدر عليه نوح عليه السلام لكونه أول أولى العزم فلم يرفع .
* * * العلوّ نسبتان ، علوّ مكان وعلوّ مكانة . فعلوّ المكان
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) [ مريم : 57 ] .
وأعلى الأمكنة المكان الّذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشّمس ، وفيه مقام روحانيّة إدريس عليه السّلام .
وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر فالّذي فوقه فلك الأحمر وفلك المشتري وفلك كيوان وفلك المنازل والفلك الأطلس ، وفلك الكرسيّ وفلك العرش .
والّذي دونه فلك الزّهرة وفلك الكاتب ، وفلك القمر ، وكرة الأثير وكرة الهواء ، وكرة الماء وكرة التّراب .
فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان .
وأمّا علوّ المكانة فهو لنا ، أعني المحمّديّين .
قال تعالى :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
[ آل عمران : 139 ] .