الأبيض والحس هو النور الأحمر فلا يعرفان النور الأسود ، لأنه فوقهما وبهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يلبس العمامة السوداء إشارة إلى الغيب الذي فوقه ، وإنما كان العقل نورا أبيض ، لأنه كلما أشرق على شيء كشفه بل كشف عن إشراقه على ذلك الشيء لا عن ذلك الشيء ، فلا يعرف إلا قدر استعداده من كل شيء كالشمس إذا تجلت على الأرض وكشفت عما فيها إنما كشفت عن نورها الذي أشرقت به الأرض عند تجليها عليها لا عن الأرض عما هي عليه ، لأن كل شيء هو النور الأسود الذي فوق النور الأبيض ، فلا يعرف النور الأبيض منه إلا قدر استعداده ، وإنما كان الحس هو النور الأحمر ، لأنه أدرك النفس المتصورة في صورة الدم فلها اللون الأحمر ، لأنه أحب الألوان للنساء والنفوس نساء العقول ، لأنها مخلوقة منها كحواء من آدم ، ولأن الحمرة أشهر الألوان ولما نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن المياسر الحمر . قال : « دعوا هذه البراقات للنساء » « 1 » .
( المكتنفين ) ، أي المحاط بهم من جهة ربهم ( خلف الحجب الظلمانية ) التي هي عوالم الحس والشهادة
( إِلَّا تَباراً
[ نوح : 8 ] ، أي ( هلاكا ) واضمحلالا بحيث يخرجون عن الحجب الظلمانية التي هي جميع المحسوسات ، والحجب النورانية التي هي جميع المعقولات ، ويدخلون في حقيقة سيئاتهم الهالكة إلا وجه الحق ( فلا يعرفون نفوسهم ) المحاط بها المحجوبة بنظرها إليها ( لشهودهم ) بربهم ( وجه الحق ) سبحانه وتعالى ( دونهم ) حيث يتحققون بهلاكهم في وجوده تعالى فيزول عنهم كونهم أهل الغيب ويصيرون أهل الشهادة فينتقلون من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان .
( و ) مقامهم هذا ( في ) الورثة ( المحمديين ) أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم في القرآن قوله تعالى :
( كُلُّ شَيْءٍ )
معقول أو محسوس
( هالِكٌ )
، أي فان ومضمحل
( إِلَّا وَجْهَهُ )
[ القصص : 88 ] ، أي الحق جل وعلى بمعنى توجهه إلى كل شيء ، فإنه الموجود لا غير ( والتبار ) الواقع في آية نوح عليه السلام معناه ( الهلاك ) فهذه الآية نظير تلك الآية ( ومن أراد ) من المريدين ( أن يقف ) ، أي يطلع ويشرف ( على أسرار ) حقيقة ( نوح عليه السلام ) وفيه إشارة إلى أن كلام الشيخ رضي اللّه عنه على معنى هذه الآية النوحية من حيث ما تعطيه أسرار حقيقة نوح عليه السلام في حق حقائق قومه ، لا من حيث ما يعطيه ظاهره في شأن ظواهر قومه ، فمن اعترض على الشيخ رضي اللّه عنه من أهل الظاهر فقط الذين هم طائفة الحشوية المتمسكون بالظاهر وحده
هامش
( 1 ) رواه عبد الرزاق في المصنف ، باب الخز والعصفر ، حديث رقم ( 19970 ) [ 11 / 78 ] والأزدي في الجامع ، حديث رقم ( 19969 ) [ 11 / 78 ] .