تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
أخرى :
لَها ما كَسَبَتْ
، أي للنفوس
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ] والتكليف كله على النفوس بما قصدت لا على أعمال الجوارح من حيث هي فقط ، فالعالم كلهم متقون يحشرون إلى الرحمن وفدا من حيث هم في وجودهم ، ومنهم ما هو كذلك من حيث كشفهم عنهم واطلاعهم على نفوسهم ، ومنهم ليس كذلك بل هم مجرمون فتن اللّه تعالى أبصارهم وبصائرهم فأراهم خلاف الأمر عليه في نفسه وأطلعهم على ما اقتضى زيغهم وضلالهم ، فهم يساقون إلى جهنم وردا كما أخبر تعالى عنهم ، وأهل الظاهر مع الظاهر وأهل الحقيقة مع الباطن . ( فقالوا ) ، أي قوم نوح ( في مكرهم ) الكبار الذي مكروه بنوح عليه السلام
لا تَذَرُنَّ
، أي لا تتركن
آلِهَتَكُمْ
التي تعبدونها من دون اللّه ( ولا تذرنّ ) ، أي لا تتركن
( وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً )
[ نوح : 23 ] ، وهي أسماء الأصنام لهم ( فإنهم ) ، أي قوم نوح ( إذا تركوهم ) ، أي تركوا هذه الأصنام ( جهلوا من الحق ) سبحانه ( على قدر ما تركوا من هؤلاء ) الأصنام لأنهم ما علموا من الحق تعالى إلا مقدار ما علموا من هذه الأصنام وقد علموها مشبهة ومكيفة مثل جميع العالم والعالم جميعه ظهور الحق تعالى ، والحق تعالى كما هو منزه عن كل ما ظهر مشبه أيضا بكل ما ظهر فهو منزه مشبه كما تقدم ذكره وقد علموه مشبها في بعض ما هو مشبه به ، والتشبيه بعض المعرفة به ، فلو تركوا ما هم فيه من بعض معرفته جهلوا على مقدار ما تركوا ، فلهذا السر المخفي عنهم لم يتركوا أصنامهم وإن كان تمسكهم بأصنامهم بالنظر إلى نياتهم كفرا وزيغا وضلالا لما قدمناه من أن بعض معرفة الشيء نقص ونقص المعرفة كفر ، فلا يجحد كون ذلك البعض معرفة قليلة ، ولا يقال بقبول ذلك في دين اللّه تعالى ، ولكن هذا كشف عن حقائقهم لا عن أحكامهم كما بينته في كتابي الرد المتين على منتقص العارف محيي الدين . ( فإنّ للحق ) سبحانه وتعالى من حيث ظهوره ( في كل معبود ) من صنم أو كوكب ونحو ذلك ( وجها خاصا ) هو من ذلك الوجه حقيقة الحق تعالى ظاهرا بصورة ذلك المعبود كما قبل الحق تعالى أن يكون عالما بصورة ذلك المعبود قبل ظهوره بها من غير أن يتغير هو سبحانه عما هو عليه في نفسه ( يعرفه ) ، أي ذلك الوجه ( من عرفه ) لصفاء البصيرة ( ويجهله من جهله ) لكدر البصيرة وانطماسها ( في ) الأولياء ( المحمديين ) ولم يقل : ويجحده من جحده ، لأن الأولياء لا يجحدونه وإن جهلوه وإنما يجحده بعض العوالم ممن يزعم أنه من علماء الرسوم لقصورها عن درك الحقائق كما يشير إليه قوله تعالى :
( وَقَضى رَبُّكَ )
من الأزل وقدر
( أَلَّا تَعْبُدُوا )
يا أيها المكلفون كلكم
( إِلَّا إِيَّاهُ )
[ الإسراء : 23 ] وحده ( أي حكم ) وحكمه تعالى