فمأمور كل شاهد منهم بإضافة المشهود الآخر إلى مشهوده الأوّل ، فديننا اليسر ودينهم العسر ، وعليهم التشديد وعلينا التخفيف .
( فليس كمثله ) ، أي ليس مثل أمره الظاهر بصورة كل شيء من محسوس أو معقول ( شيء ) إذ كل شيء تفصيل لأمره المجمل في حضرة على حدة ( فجمع ) سبحانه وتعالى ( الأمر ) كله ( في أمر واحد ) فمن كان في بعضه لا يترك ما هو فيه بل لا يقتصر على ما هو عليه ويضم إليه غيره ليكمل من قصوره ويتحقق بحقيقة ظهوره في مطالع نوره ( فلو أن نوحا ) عليه السلام ( يأتي ) إلى قومه ( بمثل هذه الآية ) الجامعة بين التنزيه والتشبيه معا ( لفظا ) ، لأنه جاء بمثل ذلك معنى إذ الحق واحد والمرسلون كلهم مجمعون عليه من حيث الإيمان ولكن عباراتهم مختلفة ( أجابوه ) من غير تردد لما دعاهم إليه ( فإنه ) ، أي من جاء بمثل هذه الآية وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم ( شبه ) اللّه تعالى بإثبات المثل له ( ونزه ) اللّه تعالى بنفي المثل عن مثله فكيف عنه ( في آية واحدة بل في نصف آية ) إذ بقية الآية
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] .
( ونوح ) عليه السلام ( دعا قومه ) إلى توحيد اللّه تعالى كما قال
( لَيْلًا )
وهو ما غاب عنهم ( من ) حيث عالم ( عقولهم ) الفطرية ( وروحانيتهم ) الأمرية ( فإنها ) ، أي عقولهم المذكورة وروحانيتهم ( غيب ) عنهم بحيث لا يشعرون بما تدريه وهو يدعوهم من هذه الحيثية بباطن كلامه ( ونهارا دعاهم أيضا ) وهو ما حضر عندهم وظهر لهم ( من حيث ظاهر صورهم ) النفسانية التي يعرفونها ( وجثثهم ) الجسمانية التي يشهدونها وهو يدعوهم من هذه الحيثية بظاهر كلامه ( وما جمع ) لهم ( في الدعوة ) بين الظاهر والباطن ( بالتشبيه والتنزيه مثل ) قوله تعالى
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
[ الشورى : 11 ] الجامع بين الظاهر وهو المثل المثبت والباطن هو الشيء الذي هو مثل المثل المنفي ، والتشبيه بالأوّل والتنزيه بالثاني .
( فنفرت بواطنهم ) ، أي بواطن قوم نوح ( لهذا الفرقان ) ، أي التمييز والتفصيل الذي جاءهم به ، فإنهم دعاهم إلى التنزيه وحده من حيث عقولهم وإلى التشبيه أيضا وحده من حيث صورهم وأجسامهم ، ولم يجمع لهم بين الشيئين معا كما جمع نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم لأمته ، فإن بعض الحق وحده إذا قرر وجدته النفوس نقصانا ، والحق الناقص ليس بحق ، وهذا سبب نفور البواطن ، فلو ذكر كله جملة أقبلت عليه ، لأن عندها بعضه فتستأنس بما عندها فيما ليس عندها ( فزادهم فرارا ) بكثرة دعوته إلى فرقانه وتكرار نفارهم من تفصيله وبيانه .
( ثم قال ) نوح عليه السلام ( عن نفسه دعاهم ) ، أي قومه ( ليغفر ) ، أي ليستر اللّه تعالى ( لهم ) ما ظهر من التشبيه الذي هو بعض الحق ( لا ليكشف ) اللّه تعالى ( لهم ) ما