وعلم أنّهم إنّما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان .
ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه .
فإنّ القران يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمّن القرآن .
ولهذا ما اختصّ بالقرآن إلّا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم وهذه الأمّة الّتي هي خير أمّة أخرجت للنّاس .
فقال :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فجمع الأمرين في أمر واحد .
فلو أنّ نوحا عليه السّلام أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه ، فإنّه شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية .
ونوح عليه السّلام دعا قومه « ليلا » من حيث عقولهم وروحانيّتهم فإنّها غيب « ونهارا » دعاهم أيضا من حيث صورهم وحسّهم .
وما جمع في الدّعوة مثل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا .
ثمّ قال عن نفسه إنّه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم وفهموا ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلم لذلك
جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ
[ نوح : 7 ] وهذه كلّها صورة السّتر الّتي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبّيك .
ففي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] إثبات المثل ونفيه ، ولهذا قال عن نفسه صلّى اللّه عليه وسلم : إنّه أوتي جوامع الكلم فما دعا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم قومه ليلا ونهارا بل دعاهم ليلا في نهار ، ونهارا في ليل .
( فعلم العلماء باللّه تعالى ) من أهل المعارف الإلهية والحقائق الربانية ( ما أشار إليه نوح عليه السلام ) في ضمن عبارته ( في حق قومه ) الكافرين به ( من الثناء عليهم ) ، أي مدحهم بإجابة دعوته أرواحا وإن خالفوه أشباحا ، وإن كانوا إنما هم مكلفون من حيث الأشباح لا من حيث الأرواح ، ولهذا كانت العبارة بالذم للظاهر والإشارة بالمدح للباطن ، والتكليف إنما هو بحسب الظاهر والباطن ( بلسان الذم ) إذ هو الظاهر بالنسبة إلى ما هو الظاهر لهم منهم لا بالنسبة إلى ما هو الباطن منهم عنهم فإنه ممدوح لا مذموم ، فإن الجميع صادرون عن الحق تعالى ، فكلهم كاملون من كامل ، ولا فرق بينهم من هذه الجهة كما قال تعالى :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[ الملك : 3 ] ، وإنما التفاوت بينهم بما وضعه فيهم من علمهم بأنفسهم