كما كان يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه تعالى في اليوم مائة مرة » « 1 » يعني كلما ترقيت مقاما في تنزيه اللّه تعالى وجدت الأوّل تشبيها بالنسبة إلى الثاني فأستغفر من الأوّل وهكذا ، فهو غين أنوار لا غين أغيار وفيهم غين أغيار وقد طلب نوح عليه السلام من قومه أن يفعلوا كذلك من أوّل الأمر وهو ممتنع عليهم لقصورهم
( إِنَّهُ )
، أي ربكم
( كانَ غَفَّاراً )
[ نوح : 10 ] لكل من استغفره ( وقال ) نوح عليه السلام أيضا
( رَبِّ )
، أي يا رب
( إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي )
إلى توحيدك ومعرفتك
( لَيْلًا )
، أي من حيث ما غابوا عنه من تنزيه اللّه تعالى
( وَنَهاراً )
، أي من حيث ما شهدوه من التشبيه لكن بعد التنزيه لا قبله
( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي )
لهم إلى التنزيه قبل التشبيه
( إِلَّا فِراراً )
عما دعوتهم إليه [ نوح : 5 - 6 ] .
( وذكر عن قومه أنهم تصامموا ) ، أي لم يسمعوا ( عن دعوته ) ، بتكلف منهم لذلك فذلك قوله تعالى :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
( 7 ) [ نوح : 7 ] الآية . ( لعلمهم ) ، أي قومه علما روحانيا لم ينزل إلى نفوسهم ليشعروا به ، فجهلت نفوسهم وعلمت أرواحهم ( بما يجب عليهم من إجابة دعوتهم ) إلى توحيد اللّه تعالى من حيث الغيب ومن حيث الشهادة تنزيها في الأوّل وتشبيها في الثاني كما قال ليلا ونهارا ، فأمرهم بترك التشبيه ليطلعوا على التنزيه فتكمل لهم المعرفة بالتنزيه والتشبيه ، وأمره لهم بترك التشبيه ليس لترك التشبيه وإنما هو لتحصيل التنزيه ، وإلا فالتشبيه بعض المعرفة ، وهو لا يأمرهم ببعض المعرفة وينهاهم عن البعض الآخر ، وقد علمت أرواحهم منه ذلك وإن جهلت نفوسهم ، فتاصمموا عن ظاهر ما أمرهم به من ترك التشبيه لعلمهم بأن تركه غير مراد ، فامتثلوا قلوبا وأرواحا وخالفوا نفوسا وأشباحا ، لأن عند نفوسهم بعض المعرفة وهو التشبيه فلم يتركوا ذلك البعض ، لأنه لا يريد منهم ترك ذلك وإنما يريد لهم تمام المعرفة ، فلو علموا أن ترك ذلك يوجب كمال المعرفة لتركوه وتركه ستره عنهم وهو قوله :
لِتَغْفِرَ لَهُمْ
[ نوح : 7 ] ، فإن الغفر هو الستر من معرفتهم الناقصة كفر وجحود ، فهذا هو الكشف عن حقيقة كفرهم .
* * * فعلم العلماء باللّه ما أشار إليه نوح عليه السّلام في حقّ قومه من الثّناء عليهم بلسان الذّم .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .