وبغيرهم ، فالكامل كامل في نفسه وفي رؤيته لنفسه ولغيره ، والقاصر كامل في نفسه قاصر في رؤيته لنفسه ولغيره ، وكل واحد منهما قسمان : فالأوّل عارف بأنه كامل في نفسه وفي رؤيته وغير عارف بذلك ، والثاني كذلك عارف بأنه كامل في نفسه قاصر في رؤيته وغير عارف بذلك ، ويخرج من هذا الثاني قسم ثالث غير عارف بأنه كامل في نفسه وعارف بأنه قاصر في رؤيته ، والكامل الحقيقي في نفس الأمر والكمال الشرعي في رؤية النفس والغير ، وهو المطلوب ببعثة الرسل وإنزال الكتب ، إذ الأوّل لا دخل للتكليف به لأنه مما يلي الحق تعالى وهذا مما يلي العبد ، وما يلي الحق للحق وما يلي العبد للعبد .
( وعلم ) نوح عليه السلام ( أنهم ) ، أي قومه ( إنما لم يجيبوا دعوته ) إلى توحيد اللّه تعالى ، لأنه كامل وعارف بأنه كامل ، والكامل عارف بمرتبتي الظهور والبطون ( لما فيها ) ، أي في دعوته ( من الفرقان ) ، أي التمييز بين مرتبة الظهور ومرتبة البطون لكمال التفصيل بالتنزيه فقط والتشبيه فقط ( والأمر ) الإلهي الواحد ( قرآن ) ، أي جمع للمرتبتين وإجمال في عين التفصيل بالتنزيه والتشبيه معا ( لا فرقان ) بالتمييز في كل مرتبة على حدة ( ومن أقيم ) ، أي أقامه تعالى بجعله يشهد ذلك ولو بالروح دون النفس ( في ) مقام ( القرآن ) الجامع ( لا يصغي ) إلى من دعاه ( إلى ) مقام ( الفرقان ) الفارق الذي يظهر فيه الكامل بصورة القاصر ، والكل في هيئة البعض كما إذا انقسم قلب الرضى بإزاء كل ذرة من أجزاء حجرها الدائر على ذلك القلب ، فإنه كله بتمامه ماسك لكل جزء في الاستدارة على طريقة موزونة ، فهو للكل قرآن ولكل ذرة فرقان ومن شهده قرآنا لا يرضى أن يشهده فرقانا ( وإن كان ) ، أي الفرقان ( فيه ) ، أي في القرآن ، لأنه عينه إذ التفصيل في الإجمال .
( فإن القرآن ) ، أي الإجمال والكل ( يتضمن الفرقان ) ، أي التفصيل وكل جزء ( والفرقان ) الذي هو التفصيل وكل جزء ( لا يتضمن القرآن ) الذي هو الإجمال والكل والمراد من حيث هو فرقان وتفصيل باعتبار صور ما تفصيل إليها ، وإلا فإن اعتبرت حقائق ما تفصل إليها ، فالقرآن في كل ما تفصل إليه الفرقان ، وهو من هذه الجهة قرآن لا فرقان ( ولهذا ) ، أي لكون القرآن جامعا للفرقان دون العكس ( ما اختص بالقرآن إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ) دون غيره من المرسلين عليهم السلام ( و ) اختصت به أيضا ( هذه الأمة التي هي )
( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )
[ آل عمران : 110 ] بإخبار اللّه تعالى عنها بذلك بقوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
الآية دون غيرهم من الأمم فإنهم مأمورون بشهود الفرقان كما جاءتهم بذلك أنبياؤهم ، فمأمور كل شاهد بترك ما شهده من حيث مغايرته للمشهود الآخر . وهذه الأمة مأمورة بشهود الفرقان ،