تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
تشبيها ، وإما أن تكون الكاف أصلية ليست زائدة فيكون التقدير ليس مثل مثله شيء وهو المعنى الثاني ، وفيه إثبات المثل لا نفيه ، بل نفي مثل المثل ، فهو تشبيه لا تنزيه وقوله بعده
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ، أي ذلك المثل الذي لمثله ، فهو تنزيه لزوال المثل ومثل المثل عنه ، فحيث كان صدر الآية تنزيها كان عجزها تشبيها ، وحيث كان صدرها تشبيها كان عجزها تنزيها للإشارة إلى أنه لا بد في حكم الشرع من التنزيه والتشبيه معا كما سبق ، والانفراد بأحدهما إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض . وقال تعالى في نظير ذلك :
هُوَ الْأَوَّلُ
[ الحديد : 3 ] ، يعني قبل كل شيء فنزه
وَالْآخِرُ
[ الحديد : 3 ] ، يعني بعد ذلك
الْأَوَّلُ
وهو كل شيء إذ لا آخر للأشياء ، لأنها لا تتناهى فشبه ،
وَالظَّاهِرُ
فشبه ،
وَالْباطِنُ
فنزه ، وقال :
هُوَ الْأَوَّلُ
، يعني الموجود الأوّل بالتشبيه إلى الثاني فهو كل شيء إذ لا نهاية للأشياء ، ولها بداية فشبه ،
وَالْآخِرُ
يعني الموجود بعد ذهاب ذلك الأوّل فنزه
وَالظَّاهِرُ
[ الحديد : 3 ] ، يعني بالإيجاد والإمداد فنزه
وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] يعني المعلومات العدمية التي قال تعالى عنها
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] فكل شيء باطن فشبه وكذلك قال :
اللَّهُ الصَّمَدُ
( 2 ) ، أي المقصود بالحوائج كلها ، والعالم يقصد بعضه بعضا كما هو المعروف فشبه ، ثم قال :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 2 و 4 ] ، فنزه ، وقد جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم التنزيه والتشبيه معا في كلمة قالها في مقام الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فشبه بذكر الرؤية ، فإن المرئي الأشياء ، أو نزه بكاف التشبيه لنفي ذلك المرئي ، أو شبه بكاف التشبيه والرؤية ، ونزه بذكر اسم اللّه وضميره ، ونحو هذا كثير في الآيات والأحاديث . ( لو أن نوحا ) عليه السلام ( جمع لقومه ) حين دعاهم إلى توحيد اللّه تعالى ( بين الدعوتين ) : دعوة التنزيه ودعوة التشبيه ( لأجابوه ) لما دعاهم إليه لأنهم مشبهون بعبادة الأصنام فيحتاجون إلى التنزيه ليكمل لهم التوحيد المطلوب منهم ولا ينهون عن التشبيه في أوّل الأمر لأنهم ما عرفوا من الإله غيره ، ولهذا دعا نبينا عليه السلام قريشا إلى إله السماء ووصفه لهم بأوصاف التشبيه ليقرهم على ما هم عليه من التشبيه ، لأنه بعض المعرفة ، ثم زادهم التنزيه فأجاب من أجاب وكفر من كفر ، ولم ينههم في أوّل الأمر عن التشبيه لئلا يوحشهم مما عرفوه من الإله ، وأما نوح عليه السلام ( فدعاهم جهارا ) من حيث التنزيه ( ثم دعاهم إسرارا ) من حيث التشبيه ، فقدم لهم التنزيه فظنوا أنه ينهاهم عن التشبيه الذي هو بعض المعرفة فتركوا إجابته . ( ثم قال لهم : استغفروا ربكم ) ، أي أطلبوا المغفرة من تشبيهكم للحق تعالى