تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
، فشبّه وثنّى
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى :
11 ] فنزّه وأفرد .
فلو أنّ نوحا - عليه السلام - جمع لقومه بين الدّعوتين لأجابوه فدعاهم جهارا ثمّ دعاهم إسرارا ثمّ قال لهم :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح :
10 ] ، وقال :
دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
( 6 ) [ نوح : 5 - 6 ] .
وذكر عن قومه أنّهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته .
( وقال تعالى ) : كذلك بمعنى آخر مفهوم من هذه الآية ، ومعلوم أن الآيات القرآنية لا يحصرها معنى واحد ولا اثنان بل كل المعاني لها ، ولكن يدرك منها العبد ما تيسر له بحسب استعداده كما يشير إليه قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[ الكهف : 109 ]
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ )
[ الشورى : 11 ] ، أي ليس مثل مثله ، فأثبت له مثلا ، ومثله جميع العالم المخلوق على صورته من حيث ظهور العالم بتأثير الصفات الإلهية تفصيلا لها ، لأن صورة الشيء تفصيل ذاته ، ومثل مثله الإنسان الكامل ، فإنه مخلوق على صورة جميع العالم ( شيء ) إذ ليس وراء اللّه شيء غير مثله وهو جميع العالم ، وأما مثل مثله الذي هو الإنسان الكامل فليس شيئا ، أي موجودا إذ لو كان شيئا لكان من جملة العالم وكان ناقصا لكمال العالم به ، وليس هو كاملا في نفسه ، وإذا لم يكن موجودا كان مفقودا والموجود عنده هو الحق ، فالإنسان الكامل مفقود في عين وجوده والوجود عنده هو اللّه تعالى وحده ( فشبه ) سبحانه وتعالى نفسه حيث أثبت له المثل ( وثنى ) ، أي حكم على نفسه الواحدة أنها اثنان بإثبات المثل له ( وهو ) ، أي مثل مثله ( السميع ) لا غيره بسمعه القديم ( البصير ) لا غيره ببصره القديم ( فنزه ) سبحانه وتعالى ذاته العلية عن المثل ومثل المثل حيث نفى عنها القيود التي بها تكون مثلا ومثل مثل ( وأفرد ) ، أي حكم على ذاته بأنها مفردة لا مثل لها ولا مثل مثل كما هي كذلك في نفسها .
والحاصل أن قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] . إما أن تكون الكاف صلة فيكون التقدير ليس مثله شيء وهو المعنى الأوّل فيكون تنزيها ، وهو السميع البصير ، أي لا غيره والخطاب لنا في لغتنا المفهومة بيننا ، ونحن نعرف ما اطلعنا عليه سبحانه بفضله من كل مخلوق سميع بصير من إنسان وغيره ، فيكون ذلك