( ترجع ) من جميع العالمين ( عواقب ) ، أي غايات ( الثناء ) ، أي المدح فكل محمود في العالمين عاقبة الحمد الذي حمد به راجعة إليه سبحانه لكونه هو المنعم الحقيقي والكامل الحقيقي على الإطلاق ( فهو ) تعالى ( المثنى ) بألسنة الأكوان أي المادح ( و ) هو أيضا ( المثنى عليه ) ، أي على الممدوح بجميع المدائح .
ثم قال رضي اللّه عنه من نظمه في هذا المقام ( فإن قلت ) : يا أيها الإنسان ( بالتنزيه ) للحق تعالى فقط ، أي التقديس والتسبيح عما أدركت بالعقل والحس من غير تشبيه له تعالى بما أدركت بالعقل والحس ( كنت مقيدا ) له تعالى ، لأن التنزيه قيد والمقصود رفع القيود .
( وإن قلت بالتشبيه ) في حقه تعالى يعني أن يشبه شيئا مما أدركت بالعقل أو الحس ( كنت محددا ) للحق تعالى ، أي حاصرا له في حد أي تعريف عقلي ، واللّه سبحانه وتعالى يستحيل في حقه ذلك ( وإن قلت بالأمرين ) ، أي بالتنزيه مع التشبيه وبالتشبيه مع التنزيه ، بحيث يكون الحق تعالى عندك موصوفا بهما معا ، ويلزم من ذلك ارتفاعهما فيثبت الإطلاق الحقيقي وهو المراد في حقه تعالى ولهذا قال :
( كنت مسددا ) ، أي محفوظا من الخطأ والزلل ( وكنت إماما ) ، أي مقتدى بك ( في المعارف ) الإلهية والحقائق الربانية ( سيدا ) تسود قومك بالعلوم والفضائل في الدنيا والآخرة .
( فمن قال بالإشفاع ) بكسر الهمزة مصدر لشفع الواحد إذا جعله شفعا أي اثنين ، يعني من قال بالتنزيه فقط أو قال بالتشبيه فقط فقد أشفع الواحد فجعله اثنين ففاته توحيده الذي يدعيه ، وذلك فإن من قال بالتنزيه فقط فقد اعتقد بأنه تعالى منزه بتنزيهه ذلك واللّه تعالى منزه لا بتنزيه أحد ، فمتى كان منزها بتنزيه أحد عند أحد فقد أشفع ذلك المنزه ، أي جعله اثنين بتنزيهه ذلك ، على معنى أنه اخترع منزها آخر معه وكذلك من قال بالتشبيه فقط فقد اخترع إلها آخر مشبها فأشفع الإله الواحد الحق ومن أشفع الإله الواحد الحق ( كان مشرّكا ) بكسر الراء مشدّدة ، أي ناسبا الشركة إلى الحق تعالى في الألوهية .
( ومن قال بالإفراد ) ، أي إفراد الحق تعالى بما هو عليه من الأزل لا يحكم عليه بالتنزيه فقط ، ولا يحكم عليه بالتشبيه فقط بل أبقاه على ما هو عليه من الانفراد بما لا يعلمه إلا هو ، وعبده بوصفه له بما وصف به نفسه في كتابه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام ، من تنزيهه مع تشبيهه وتشبيهه مع تنزيهه ، فكان حاكيا لا متحكما ومتبعا لا مخترعا ( كان موحدا ) له سبحانه وتعالى بالتوحيد الصحيح من غير شائبة شرك .
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 187
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص١٨٧