اتصافها بالأوصاف وتسميتها بالأسماء وصدور الأفعال عنها والأحكام ، فلا بد من الإيمان به تعالى في الحضرتين .
( ووصفه ) تعالى ( بالوصفين ) : الوصف التنزيهي والوصف التشبيهي ، لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 3 - 4 ] ( على ) حسب ( الإجمال ) ( ) - في معرفته تعالى ( لأنه يستحيل ) عقلا ( ذلك ) الوصف بالتنزيه والتشبيه معا ( على التفصيل ) في كل ظهور من ظهوراته تعالى وكل تجلي من تجلياته ( لعدم الإحاطة ) من أحد من الخلق ( بما في العالم ) كله ( من الصور ) المختلفة ، ومن عرفه كذلك بالتنزيه والتشبيه على مقتضى ما ظهر له من إطلاقه عن قيد التنزيه وقيد التشبيه ( فقد عرفه ) سبحانه وتعالى ( مجملا لا ) عرفه ( على التفصيل كما عرف ) ذلك الإنسان ( نفسه ) فإنه من عرفها أي أدركها إدراكا ( مجملا ) ، لأنه عرف صورة ظاهرة ذات أعضاء وقوى ، ووراء ذلك أمر آخر باطني يسمى نفسا وعقلا وروحا .
وهذا الظاهر صورة ذلك الباطن وذلك الباطن مستولي على الظاهر ومتصرف فيه ، وحده ، ولا ظهور له في غيره من غير حلول فيه ولا اتحاد منه ، فإن الإنسان ينزه باطنه عما ظهر منه ويشبه باطنه بما ظهر منه ، فظاهره غير باطنه فهو المنزه ، وظاهره عين باطنه فهو المشبه ، وهذه المعرفة إجمالية ( لا على ) مقتضى ( التفصيل ) حيث لا يمكنه ذلك في نفسه فكيف في ربه ( ولذلك ربط النبي صلّى اللّه عليه وسلم معرفة الحق ) سبحانه ( بمعرفة النفس ) إجمالا بإجمال وتفصيلا بتفصيل ( فقال : من عرف نفسه ) بأنه ماهية غيبية هي سر من أسرار اللّه تعالى ظاهرة له في صورة بشرية جسمانية ولم تتغير عما هي عليه بسبب ظهورها ذلك ، كما لم يتغير النجم في السماء عن كبره الذي يبلغ مقدار الدنيا وأزيد من ذلك بسبب ظهوره لأهل الأرض مقدار الدرهم الصغير ، بل هذا الصغر هو ذلك الكبر بعينه ، ولكن القصور في الإبصار بسبب حجاب البعد عن شهود مطالع الأنوار ( فقد عرف ربه ) بأنه ماهية غيبية مطلقة عن جميع القيود وعن هذا الإطلاق أيضا ، ومع ذلك فكل شيء صورة ظهوره ، وكل محسوس ومعقول مطلع من مطالع نوره ، وهو على ما هو عليه من إطلاقه الحقيقي وإن ظهر كيف ما ظهر فإنه المتصرف في القلوب والمقلب للأبصار في الغيوب ، يخلق لعباده رؤية يرونه بها مشتملة على الصور والمقادير بحسب ما سبقت به أقضية الأزلية والتقادير ، ويخلق لهم قطعا وجزما بأن ما رأوه غيره ، فيضلهم به ويمنع عنهم خيره ، ويخلق لهم جهلا بما تقوّله العارفون ، ويخلق لهم تكذيبا وجحودا لما خلقه من المعرفة والكشف الصحيح في قوم يعلمون
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( 23 ) [ الأنبياء : 23 ] .