وهو عينك
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
، أي للناظرين
أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] من حيث إنّك صورته وهو روحك .
فأنت له كالصّورة الجسمية لك ، وهو لك كالرّوح المدبّر لصورة جسدك .
والحدّ يشمل الظّاهر والباطن منك : فإنّ الصّورة الباقية إذا زال عنها الرّوح المدبّر لها لم تبق إنسانا ولكن يقال فيها : إنّها صورة تشبه صورة الإنسان فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلّا بالمجاز لا بالحقيقة .
( وصور العالم ) كثيرة جدا ( لا تنضبط ولا يحاط بها ) من حيث كلياتها وجزئياتها يعني لا يقدر أحد غير اللّه تعالى أن يضبطها ويحيط بها ( ولا تعلم ) ، أي لا يعلم أحد غير اللّه تعالى ( حدود ) ، أي تعاريف ( كل صورة منها ) ، أي من صور العالم ( إلا على قدر ما حصل لكل عالم ) في الخلق بحسب ما علمه اللّه تعالى ( من صوره ) ، أي العالم ( فكذلك ) ، أي لكون الأمر كذلك ( يجهل حدّ ) ، أي تعريف ( الحق ) سبحانه لأنه المطلق في ذاته المقيد بكل صوره في صفاته ، فلا يعرف حتى تعرف كل صورة لأنه محدود بحد كل صورة أي معرفة بتعريفها فهو مجهول الحد .
( فإنه لا يعلم حده ) ، أي تعريفه ( إلا بعلم حد ) ، أي تعريف ( كل صورة ) من صور العالم ( وهذا ) ، أي علم حد كل صورة ( محال ) لا يتصور في العقل ( حصوله ) لأحد من الخلق لأن العلم بذلك إن حصل كان صورة من جملة الصور ، فإن علم حده احتاج علم العلم أيضا إلى أن يعلم حده ، وهكذا فلا بد أن يتقاصر علم المخلوق عن معرفة حد صورة من الصور فلا يعلم حد كل صورة ، وهذا في صور العالم الموجود فكيف بما مضى ( و ) ما سيأتي ( في الحق ) سبحانه ( محال ) لترتبه على المحال .
( وكذلك ) ، أي كما أن من نزه الحق تعالى فقط وما شبهه فقد قيده وحصره ( من شبهه ) فقط ( وما نزّهه فقد قيّده وحدّده ) ، أي حصره ( وما عرفه ) ، لأنه تعالى غير مقيد ولا محدود ولا محصور فالذي عرفه مقيد محدود محصور فهو غيره تعالى وقد اشتبه عليه به تعالى ( ومن جمع في معرفته ) للّه تعالى ( بين التنزيه ) له تعالى عن كل معقول وكل محسوس ( والتشبيه له تعالى ) بكل معقول وكل محسوس فالتنزيه ظهور أحدية الحق تعالى ، والتشبيه ظهور واحديته ، والأحدية والواحدية حضرتان للحق تعالى لا بد من نسبتهما إليه لتحقيق معرفته ، فالأحدية حضرة ذاته الغيبية المجردة عن النعوت والأوصاف الغنية عن العالمين ، والواحدية حضرة ذاته العلية من حيث