( واكذب ) ، أي نسب إلى الكذب ( الحق ) تعالى حيث وصف تعالى نفسه تعريفا لنا بما نعهد من الأوصاف بأنه سميع بصير قدير مريد حي متكلم عليم له يد ووجه وعين وجنب إلى غير ذلك .
( و ) أكذب ( الرسل ) أيضا ( صلوات اللّه عليهم ) حيث وصفوه تعالى بأن له ضحكا وفرحا وله نزول إلى سماء الدنيا وله قدم وأصابع ونحو ذلك ، وإن كان هذا كله لا يشبه أوصافنا التي نعهدها لأنا حادثون وهو تعالى قديم ، ولكن في ذلك نفي لتقييده بالتنزيه ، لأن المراد إثبات الإطلاق الحقيقي له تعالى لا التنزيه فقط ولا التشبيه فقط ، فالرسل الباطنية وهي العقول تشبّه ثمّ تنزّه ، والرسل الظاهرية وهم الأنبياء عليهم السلام تنزه ثم تشبه ، فالمنزه فقط مكذب للرسل الباطنية والظاهرية ( وهو لا يشعر ) بما يصدر منه لكمال جهله بمقتضى ما هو فيه .
( ويتخيل ) بسبب قصوره ( أنه ) من كمال تنزيهه فقط ( في ) الأمر ( الحاصل ) المطلوب منه عقلا وشرعا ( وهو في ) الأمر ( الفائت ) ، لأنه وقع فيما فر منه إذ هو فار من التشبيه والتحديد والتقييد واقع في ذلك بمجرد التنزيه ( وهو كمن آمن ببعض ) الكتاب الحق ( وكفر ببعض ) إذ العقل والشرع مطبقان على التشبيه والتنزيه معا لا التشبيه فقط ولا التنزيه فقط ، فأحدهما وحده إيمان ببعض الشرع وكفر ببعض قال تعالى :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
[ البقرة : 85 ] ، ( ولا سيما ) يعني خصوصا ( وقد علم ) ذلك المؤمن القائل بالتنزيه فقط ( أن ألسنة ) جمع لسان ( الشرائع الإلهية إذا نطقت في ) وصف ( الحق تعالى ) للمكلفين ( بما نطقت به ) من الأسماء والأوصاف ( إنما جاءت ) من عند اللّه تعالى ( به ) خطابا ( في ) جهة ( العموم ) من الناس ( على ) حسب مقتضى الأمر ( المفهوم الأول ) الذي لا يحتاج إلى تفكر ولا تدبر ( وعلى ) جهة ( الخصوص ) من الناس ( على ) حسب مقتضى ( كل ) أمر ( مفهوم ) لائق بالمقام ( يفهم من وجوه ) ، أي اعتبارات ( ذلك اللفظ ) الوارد في الشرائع الإلهية ( بأي لسان ) ، أي لغة واصطلاح ( كان في وضع ذلك اللسان ) الذي وردت تلك الشريعة به .
والحاصل أن كل شريعة من الشرائع التي أرسل اللّه بها الأنبياء عليهم السلام إلى أمم وردت على حسب لسان تلك الأمة ، وعلى مقتضى خطاباتهم في لغتهم المعهودة فيما بينهم كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
[ إبراهيم : 4 ] ، فجميع ما نطقت به كل شريعة خطابا لمن هي لهم ، فهي جارية على حسب فهم العامة منهم على حسب فهم الخاصة أيضا ، من غير تقييد بفهم دون