القطعية ( أنه فعال لما يشاء ) من غير عجز عن شيء مطلقا ( جوزوا على اللّه ) تعالى أن يفعل ( ما يناقض الحكمة ) كما يفعل ما هو على مقتضى الحكمة ( و ) أن يفعل ( ما هو الأمر عليه في نفسه ) من حيث ثبوته في العدم من غير وجود ، ولهذا يسمون المعدوم شيئا للثبوت المذكور ، فعلى زعمهم هذا كل من يعرف قبوله يعرف استعداده قبل قبوله ، مفصلا كان الاستعداد غير مقيد بمقتضى الحكمة .
( ولهذا ) ، أي لتجويزهم على اللّه تعالى ما يناقض الحكمة ( عدل بعض النظّار ) منهم ( إلى نفي الإمكان ) وعدم جعله قسما من أقسام الحكم العقلي وذهبوا إلى حصر الحكم العقلي في الممتنع والواجب ( وإثبات الوجوب بالذات ) والوجوب ( بالغير ) فقط .
( والمحقق ) من أهل السنة والجماعة ( يثبت ) قسم ( الإمكان ) مع الامتناع والوجوب ( ويعرف حضرته ) ، أي الإمكان ، وهي البرزخية الفاصلة بين الامتناع والوجوب ، أي أن انعدام التحقق بالممتنع وإن وجد التحقق بالواجب ، فبسببه ينقسم الممتنع إلى ممتنع بالذات وممتنع بالغير ، وينقسم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير ، لأن الممكن ليس أصله العدم ولا الوجود فعدمه بالغير ووجوده بالغير .
( و ) يعرف ( الممكن ما هو الممكن ) ، فإن حقيقته مركبة من عدم ووجود ، فما فيه من المقدار المخصوص من العدم ، وما فيه من التحقق والثبوت من الوجود ، فهو مظهر للممتنع ومظهر للواجب .
( و ) يعرف ( من أين هو ممكن ) فإن إمكانه من مقابلة الوجوب للامتناع وموازاة الوجود للعدم ، بحيث لو تميز كل واحد منهما عن الآخر في بصيرة الممكن ، كما هو متميز في نفس الأمر ، ارتفعت حقيقة الإمكان من بينهما .
ومثاله في المحسوس : أنك لو وضعت في إناء واحد صبغين صبغا أحمر وصبغا أخضر مثلا ، وخلطتهما معا ، فإنه يظهر منهما ، صبغ ثالث ليس هو واحدا منهما وليس هو أمرا زائدا عليهما ، وهو حقيقة الممكن ، فإذا ميزت بينهما وفرقت أحدهما عن الآخر ، زال ذلك الصبغ الثالث وبقي كل واحد من الصبغين على حاله ( وهو ) ، أي الممكن ( بعينه واجب الوجود بالغير ) إذ لا يتصور عدمه في حال وجوده ، وكل ما لا يتصور عدمه فهو واجب ، فالممكن من هذا الوجه واجب ، ولكن وجوبه بواجب الوجود بالذات لا بذاته ، فلهذا كان واجب الوجود بالغير ، وهذا الوصف له ما دام موجودا ، فإذا انعدم صار ممتنع الوجود بالغير لا بالذات .
( و ) يعرف ( من أين صح عليه ) ، أي على الممكن ( اسم ) ذلك ( الغير الذي )
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 174
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص١٧٤