وأمّا البرهان على ذلك من طريق الإيجاز فهو أنّ اختفاء شيء بشيء يستلزم ثبوت الثاني عند الأول لا محالة . ومن البيّن عند أهل السابقة الحسنى أنّ ذلك شرك مع كفر ، إذ الكلّ هالك عند وجهه الكريم ؛ فسبحانه وتعالى عما يقول كلّ معتد أثيم .
وكفر بالشيطان :
قد عرفت أنّ الشيطان هنا عبارة عمّا سوى اللّه ، فاعلم أنّ الكفر بالشيطان هو اعتقاد أنّ العالم غيب ما ظهر قطّ ، وإنّما الظاهر هو اللّه فحسب . وهذا كفر محقّقي الصوفيّة حيث زعموا أنّه سبحانه ظهر بصورة كل شيء ؛ ف [ عند ] « 1 » هذا الزاعم أخفى الشيء الذي هو السّوى أي العالم ، وهو الكفر بالشيطان . ولا تتوحشنّ من ذلك ! فإنّه أعلى درجات بالنظر إلى قوم ، لكن حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين .
قال صاحب الفتوحات :
إنّ العالم غيب لم يظهر قط ، والحق هو الظاهر ما غاب قطّ ، والناس في هذه المسألة على عكس الصواب ؛ فإنّهم يقولون إنّ الحق تعالى غيب والعالم هو الظاهر ؛ فهم بهذا الاعتبار في مقتضى هذا الشرك .
أقول : وقد غفل هذا العارف عن الشرك اللازم من زعمه حيث حكم بظهور الحق تعالى وخفاء العالم ، وهو أيضا من أنحاء الشرك الخفي . وأمّا الإيمان الحقيقي فهو الاعتقاد بأنّ اللّه هو الظاهر الباطن ، والشاهد الغائب ؛ فهو الظاهر إذا طلبته في البطون ، وهو الباطن إذا تفحّصت عنه في الظهور ، وهو المنزّه عنهما إذا طلبتهما بكليهما ؛ وأنّ العالم ظاهر باللّه ، خفي بذاته ؛ فتعرّف ، فإنّه باب عظيم للتوحيد .
اللهمّ أنّ يقال : إن مراد صاحب الفتوحات بالظهور هو الاستيلاء على الظاهر والباطن ، وبخفاء العالم هو العدم الصرف الذاتي واللّيس المحض الإمكاني .
وبالجملة ، فالطائفة الأولى يقولون ببطونه تعالى فقط ، والطبقة الثانية يقولون بظهوره عزّ شأنه فحسب . وهذان الكفران كلاهما جناحان « 2 » للإيمان الحقيقي وهو اعتقاد « 3 » أنّه - جلّ برهانه - هو الظاهر الباطن ، بمعنى أنّ ظهوره من حيث بطونه ، وأنّ بطونه عين ظهوره ، وأنّ
هامش
( 1 ) . ق : - عند .
( 2 ) . ن : - جناحان .
( 3 ) . ن : الاعتقاد .