وأيضا الأنسب في التعاليم تقديم الموجز على المفصّل ، كما لا يخفى .
كفر باللّه :
اعلم أنّ هذا الكفر وقسيمه هو للخواصّ ، وليس من كفر العوام ، بل المتوسطين في شيء ؛ فللكفر دركات لا تحصى ، كما أنّ للإيمان درجات لا تتناهى . وقد عبّر عن تلك المراتب بالأجزاء في الأخبار « 1 » ؛ فافهم .
ثم ، بعد ما تعرّفت من معنى الكفر اللغوي ، اعلم أنّ الكفر باللّه هو اعتقاد أنّ اللّه - عزّ برهانه « 2 » - غيب ، ما ظهر قط . وهذا هو القدر المشترك بين طبقات الكفر ؛ لأنّه يشتمل كونه سبحانه منفيّا مطلقا أو غيره :
فمنها : القول بالنفي والتعطيل « 3 » .
ومنها : القول بالوجود وأنّه الظاهر ، بمعنى كون مصنوعاته ظاهرة تدلّ عليه ، فهو الظاهر بوساطة الدلالات والعلامات « 4 » . وهذا من قبيل قول بعضهم : إنّ الكلّي موجود ، بمعنى كون أفراده موجودات . والقائل به وإن كان في زمرة المسلمين لكنّه كفر خفي عند العارفين . وهو كفر أهل العلم من المتكلمين والمتفلسفين وبعض المتصوّفة وأكثر النصارى ؛ حيث زعم الأوّلان أنّ اللّه غيب ويدلّ عليه بالآيات ، والآخران أنّه سبحانه يحلّ في هياكل كالمسيح وغيره من الأبرار ، وزعم بعض الفرقة الثالثة أنّه سبحانه تطوّر بلباس الأكوان واختفى بها ، وأنّ الممكنات عوارض للوجود الحقيقي الذي هو اللّه تعالى بزعمهم .
وقد ردّ عليهم سيّد الشهداء عليه وعلى آبائه وأولاده شرائف الصلاة والثناء حيث قال في دعاء عرفة « 5 » : « كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ! ألغيرك « 6 » من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك . عميت عين لا تراك ولا تزال « 7 » عليها رقيبا » .
هامش
( 1 ) . في هذا المعنى راجع : الكافي ، ج 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب درجات الإيمان ، ص 42 .
( 2 ) . ن : شأنه .
( 3 ) . راجع : شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 24 .
( 4 ) . نفس المصدر ، ص 20 - 24 .
( 5 ) . راجع كتب الأدعية ، ومنها : إقبال الأعمال للسيد بن طاووس ومفاتيح الجنان للمحدث الشيخ عباس القمي .
( 6 ) . مفاتيح الجنان : أيكون لغيرك .
( 7 ) . مفاتيح الجنان : - ولا تزال .