الذليل بين يدي مولى جليل ، فهو يعزل أولا نفسه عن انتساب فعل ما أو انضياف أمر إليها ويعرض على المولى أنّه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا بل لا حول ولا قوّة إلّا بالله تعالى ، فيجمع الكل فيضيفه إلى اللّه عزّ وعلا ، وذلك لما رأى عند قيامه هذا المقام أنّ الله قائم على كل نفس بما كسبت وأن ليس لها إلّا ما سعت .
ثمّ إنّ القيام هو البروز من مكامن غواسق المواد ، والظهور من مخازن غياهب الحرمان والبعاد إلى ميدان القرب وبساط الوصال ، ومشهد التكلم مع اللّه ذي الجلال وقد قال اللّه تعالى :
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 1 » فلا يمكن للمصلّي أن يكتم حاله أو يكذب في مقاله ، فلذلك يكون في حال القيام - الذي هو البروز إلى اللّه - ينسب الكل إلى اللّه قل كل من عند اللّه « 2 » ، ويوحّده عن أن يشاركه في ملكه أحد سواه .
ثمّ إذا تحقّق بهذا المقام السنيّ استشعر أنّ ذلك التوحيد الفعلي لا يتصحّح إلّا بأن يكون الكل مظاهر صفاته ومجالي أنوار أسمائه ، إذ الصنائع هي ظهور ما في سريرة الصانعين والأفاعيل مظاهر للصفات المستسرّة « 3 » في الفاعلين ، فيظهر له حينئذ نور عظمته المتجلّي ويكشف له عن ضوء شعشعانيّ ، فلا يملك نفسه إلّا بأن يخضع ويركع ويأخذ في التضاؤل والتصاغر فيخشع حين يعلم بهذا الاستيلاء ويشعر بتجلّي أنوار الأسماء ، فيظهر له - كل الظهور - سلطان الصفات وتتراى له أنوار الكمالات بحيث كأن لا يرى نورا إلّا نوره ولا يجد ظهورا إلّا ظهوره ؛ فلا يخلو في نظره شيء عن كونه مظهرا [ له ] « 4 » ولا يعزب عن علمه تعالى مثقال ذرّة « 5 » في الأرض ولا في السماء « 6 » .
ثمّ إذا تحقّق هذا بهذا المقام - مقام الآمنين - ودخل في الراكعين يظهر له نور آخر أعلى من ذلك النور ، فيشرع في السلوك إلى شاهق هذا الطور ، وهو رؤية استهلاك الأسماء والصفات عند ظهور أحدية الذات وغناه عن قاطبة الأسماء والصفات ، فطفق يأخذ في الهويّ إلى السجود الذي هو إظهار الفناء وهلاك نفسه بل جميع الأشياء ؛ فيسجد تحقّقا بهذا
هامش
( 1 ) . غافر ( المؤمن ) : 16 .
( 2 ) . اقتباس من الآية 78 سورة النساء .
( 3 ) . ن : المستترة .
( 4 ) . ق : لها .
( 5 ) . ن : شيء .
( 6 ) . اقتباس من الآية 61 سورة يونس .