الآخر هي الصورة الطبيعية التي صدرت من النفس الكلية من دون توسط استعداد وحركة أيضا باتفاق محققي الفلاسفة .
فهما من الثوابت التي لا تعتريها الدثور والفساد ، ولعلّه رحمه اللّه اعتقد برهانية دليلهم المشهور بدليل الفصل والوصل حيث كان مبتنيا على فساد الصورة الطبيعية على ما زعموا وهذا أيضا أحد مناقضاتهم وتحريفهم لتقرير أكابر الحكمة .
وأيضا اعتقد تجدّد الأمثال في الأمور الكيانية بناء على سيلان الطبيعة الجسمية ، وذلك لو كان حقا لكان من مأخذ آخر غير ما اعتقده وكان في كل الوجود من دون اختصاص بالطبائع الجسمية .
وأيضا اعتقد أنّ للهيولي أضعف درجات وأخسّها ، كما صرّح كثيرا في كلماته .
وهذا فرية من دون مرية ، كيف وهو من جملة من قرع أولا باب الوجود ودخل مع الأمور العالية في بيت الشهود . وقاعدة الإمكان الأشرف ممّا أذعنه هذا الفاضل ، كيف وهذه الهيولى هي خزانة غيب السماوات والأرض وما فيهما ، حيث خفي في مكامن ذاتها جميع الأنوار العقلية التي تتراءى في العقل الذي صدرت هي منه ، إذ المعلول سرّ العلة وباطنها - كما هو مصرّح به في كلام هذا الفاضل العلّامة وغيره من المحققين - وذلك معنى كون الهيولى بالقوة أي قوة جميع الحقائق الإلهية والكونية .
وأيضا قولهم : إنّ الهيولى كل شيء بالقوة ، كما أنّ العقل كل شيء بالفعل ، هل معناه إلّا أنّها تتصوّر بصورة كل شيء في فنون استعداده ؛ وأنّها محل ظهور الحقائق الشهودية ؛ وهل يجوز أن ينعدم القابل الكذائي عند حصول مقبوله ، فأين محل كونه قابلا ومن البيّن وجود القابل عند وجود ما يقبله .
ولا تسمع بقول من يزعم أنّ الهيولى صدرت من أخسّ جهات العقل ، ولذا حكموا بضعف وجودها وخسّتها ؛ إذ ليس هناك - أي في العالم العقلي - خسّة ولا ضعف وجود بل بعض الجهات أشرف من بعض مع كون الكل شريفا ؛ فلا تغفل .
الاربعينيات لكشف أنوار القدسيات — صفحة 331
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٣٣١