هي أرواح الأجسام المركبة .
ولمّا سوّى اللّه صور العالم أيّ عالم أراد وشاء كان روح الكل كالقلم واليمين الكاتبة والأرواح كالمداد في القلم ، والصور كمنازل الحروف في اللوح ؛ فنفخ الروح في صور العالم فظهرت الأرواح متميزة بصورها ، فقيل : هذا زيد وهذا عمرو وهذا فرس وهذا فيل وهذه حية وكل ذي روح .
وما ثم إلّا ذو روح لكنه مدرك وغير مدرك ؛ فمن الناس من قال : إنّ الأرواح في أصل وجودها متولدة من مزاج الصور ؛ ومن الناس من منع « 1 » ذلك ؛ ولكل واحد وجه . والطريق الوسطى ما ذهبنا إليه وهو قوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
« 2 » .
وإذا سوّى اللّه الصور الجسمية ففي أيّ صورة شاء من الصور الروحية ركّبها : إن شاء في صورة خنزير أو كلب أو إنسان أو فرس على ما قدّره العزيز العليم : فثمّ شخص الغالب عليه البلادة وروحه روح حمار وبه يدعى إذا ظهر حكم ذلك الروح فيقال فلان حمار ؛ وكذا كل ذي صفة يدعى إلى كتابها فيقال فلان كلب وفلان أسد وفلان إنسان وهو أكمل الصفات وأكمل الأرواح قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
« 3 » وتمّت النشأة الظاهرة
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
« 4 » من صور الأرواح ؛ فنسبت إليها ، كما ذكرنا وهي معيّنة عند اللّه فامتازت الأرواح بصورها .
ثم إنّها إذا فارقت هذه المواد فطائفة من أصحابنا تقول : إنّ الأرواح تتجرد عن المواد تجردا كليا وتعود إلى أصلها ، كما تعود شعاعات الشمس المتولدة عن الجسم الصقيل إذا صدر إلى الشمس .
واختلفوا هاهنا على طريقين : فطائفة قالت : لا تمتاز بعد المفارقة لأنفسها ، كما لا تمتاز ماء الأوعية على شاطئ النهر إذا انكسرت يرجع « 5 » ماؤها إلى النهر ؛ وقالت طائفة أخرى : بل تكتسب بمجاورة الجسم
هامش
( 1 ) . ن : تبع .
( 2 ) . المؤمنون : 14 .
( 3 ) . الانفطار : 7 .
( 4 ) . الانفطار : 8 .
( 5 ) . الفتوحات : فرجع .