الكثافة وما هو الأعلى منها تكون طبقاته أكثر : فلا يبلغ الإنسان إلى أدنى درجات عالم النهايات إلّا بعد طي درجات عالم الأوساط ؛ ولا يبلغ أدنى درجات عالم الأوساط إلّا بعد طي درجات عالم البدايا وهو المحسوسات .
فجميع العوالم هي منازل السائرين إلى اللّه تعالى ، ففي كل منزل للسالك خلع ولبس جديد وموت وبعث منه وحشر إلى ما بعده ؛ فعدد الموت والبعث والحشر لا يحصى « 1 » .
فلكل شيء حركة جبلّية وشوق طبيعي إلى عالم الملكوت وله عبادة ذاتية للتقرب إلى اللّه تعالى سيّما الإنسان الذي هو أشرف الموجودات ، فأول ما اقتضت النفس وتوجهت إليه هو « 2 » تكميل هذه النشأة الجسمية « 3 » وعمارة مملكة البدن بالقوى النباتية ، ثم بعد ما عمرت عبرت منها وأخذ في تحصيل نشأة ثانية حيوانية وهكذا تتدرج في التكميل بإمداد اللّه تعالى ، وكلّما ازدادت في جوهريتها المعنوية نقصت في صورتها الظاهرة ، فإذا انتهت بسيرها الذاتي إلى منتهى درجات النشأة الدنيوية ووصلت إلى عتبة باب الآخرة عرض لها الانتقال بالموت من هذه النشأة والتولد في النشأة الآخرة . فليس هناك بطلان وهلاك وإنّما تنقلون من دار إلى دار لذلك قيل : « الموت تصديق بما لا يكون » ، وأيضا إنّ الدنيا كالجنين للإنسان ؛ لأنّه « 4 » يتكوّن أولا فيها وهذا البدن كالمشيمة للنفس فتتربّى « 5 » شيئا فشيئا إلى أن يجيء أوان التولد في نشأة أخرى فالموت حق لازم « 6 » .
وأمّا البدن الحقيقي الذي يكون مع النفس وبالنفس ، فهو باق في المواطن كلها وإنّما تتبدّل عليه أحوال وأعراض من الكيفيات والكميات والصور العنصرية والطبيعية نباتية وحيوانية دنيوية وأخروية ، فالحشر للنفس والبدن بعينهما والجزاء لهما ولا عبرة بالأعراض كما يشاهد « 7 » من تبدّلها من حين الطفولية إلى أوان الشيخوخة ؛ فتبصّر .
هامش
( 1 ) . انتهى ما نقل من الأسفار من ص 235 - 236 .
( 2 ) . ن : - هو .
( 3 ) . الأسفار : الحسية .
( 4 ) . ن : لأنّها .
( 5 ) . ن : فتربى .
( 6 ) . انتهى ما نقل من الأسفار ، ج 9 ، ص 237 - 238 مع تصرف بالتلخيص وإضافات للتوضيح .
( 7 ) . ن : نشاهد .