بارقة [ 77 ] « 1 » [ في معاد النفس والبدن وكيفيته ]
وبعد تذكر هذه الأصول يظهر للعارف السالك سبيل الحق أنّ المعاد في المعاد مجموع النفس والبدن بعينهما ؛ لكن البدن الأخروي هو هذه الحصة من الجسم من دون الغواشي العنصرية والأعراض الطبيعية ؛ بل يصير هذا البدن من حيث هو هذا البدن جسدا نقيّا من كدورات المواد الكونية وبدنا أخرويا قابلا لظهور نتائج الأعمال والأخلاق الصالحة والفاسدة . ومن اعتقد ذلك كذلك كان مؤمنا متيقّنا بما أودعه اللّه في الغرائز من طلب الكمال والتوجه إلى ربه ذي الجلال ؛ وأنّ لكل قوة كمالا ولذة وألما يخصّها وبحسب ما اكتسبتها يلزم لها الجزاء في الطبيعة ، كما ثبت من ثبوت الغايات لجميع المبادئ والقوى - عالية كانت أو سافلة - عند أهل العلم والمعرفة ؛ وإليها الإشارة بقوله تعالى :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
« 2 » وقوله سبحانه : و
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
« 3 » .
ومن تيقّن بهذا ، علم أنّ ذلك مقتضى الطبيعة ؛ وأنّ الوعد والوعيد ولزوم المكافاة في الطبيعة والمجازاة على الأعمال والأخلاق والاعتقادات ممّا يجب أن يكون في الدار الآخرة ؛ وعلم أنّ الكل يحشر إلى اللّه حتى الحيوان والنبات والجماد
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
« 4 » ، وقال تعالى :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
« 5 » ،
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
، « 6 »
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
« 7 » وقال للجميع :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
« 8 » .
هامش
( 1 ) . هذه البارقة مقتبسة من الأسفار الأربعة ، ج 9 ، الباب 11 في المعاد الجسماني ، الفصل 2 ، ص 197 - 199 مع تصرف بالتلخيص .
( 2 ) . البقرة : 148 .
( 3 ) . هود : 56 .
( 4 ) . الشورى : 53 .
( 5 ) . التكوير : 5 .
( 6 ) . ص : 19 .
( 7 ) . الرحمن : 6 .
( 8 ) . مريم : 40 .