الصور الإدراكية الخيالية من الأجرام والأعظام المشكّلة بأشكال مختلفة ليست في موضوع النفس ، ولا بالجرم الدماغي ، ولا في العالم المثالي - كما ذهب إلى كل جماعة - بل هي في مملكة النفس وصقعها الخارج عن هذا العالم . ولا فرق بينها وبين ما يراه النائم بقوته الحسية إلّا بعدم ثباتها ، لاشتغال النفس بالأمور الطبيعية . ولو فرض فراغها عن الأفاعيل المزاجية وصرفت همّتها إلى ذلك التصوير يكون ما تصوّرته في غاية الثبات وتمامية الجوهر ، كما نقل عن مولانا أمير المؤمنين أنّه حضر في ليلة واحدة للإفطار عند جماعة .
ومن ذلك ما روى أبو الصلت الهروي « 1 » عن وفات مولانا الرضا عليه السّلام أنّه لمّا حضر ولده مولانا الجواد عليه السّلام من المدينة الطيبة للتغسيل والتكفين ؛ فبعد ما غسّله وكفنه جعله في تابوت ؛ فصعد التابوت وانشق السقف وذهب ؛ ثم جاء بعد سويفات من الزمان ؛ فإذا هو مع لباسه الذي وقع فيه الوفاة . وجاء المأمون وأصحابه فغسّلوا ذلك الجائي وكفّنوه ؛ مع العلم بأنّ الإمام لا يغسله إلّا الإمام وليس لأحد أن ينظر إلى بعض أعضائه ؛ فتبصّره .
بارقة [ 76 ] [ في أحكام الإنسان في مواطنها الثلاثة من الطبيعي والنفسي والعقلي ]
من المستبين أنّ العوالم مع كثرتها لا تخلو عن ثلاثة أجناس : أدناها الصور الطبيعية ، وأوسطها عالم الصور الإدراكية المثالية المجردة عن المواد العنصرية دون المادة النورية العرشية ، وأعلاها عالم الصور العقلية القدسية .
وللنفس حظ وافر من تلك المواطن الثلاثة : فللإنسان من حين طفوليته كون طبيعي وهو بذلك إنسان طبيعي وبشر حسي وله أعضاء وأطراف وحواس وقوى جسمية ؛ ثم يتدرج ويتصفى في تجوهره بحسب العلوم والأخلاق إلى أن يحصل له وجود نفساني
و
هامش
( 1 ) . عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، باب ما حدث به أبو الصلت الهروي عن ذكر وفاة الرضا عليه السّلام ، ص 272 .