اعلم أنّ كل فعل يصدر من الإنسان فإنّ له في كل سماء صورة تتشخص حين تعيّن ذلك الفعل في هذا العالم . روح تلك الصورة هو علم الفاعل وحضوره بحسب قصده حين الفعل . وبقاؤها إنّما هو بإمداد الحق من حيث اسمه الذي له الربوبية على « 1 » الفاعل حين الفعل . وكل فعل فلا تتعدى مرتبة الصفة الغالبة الظاهرة الحكم فيه حين تعيّنه من فاعله . والشرط في تعدّي حكم الأفعال الحسنة من الدنيا إلى الآخرة أمران هما الأصلان في باب المجازاة ودوام صور الأفعال من حيث نتائجها : أحدهما التوحيد ، والآخر الإقرار بيوم الجزاء ، وأنّ الربّ الموحّد هو المجازي فإن لم يكن الباعث على الفعل أمرا إلهيا أو معينا تابعا للأصلين وناتجا عنهما ؛ فإنّ الصورة المتشخصة في العالم العلوي المتكوّنة من فعل الإنسان لا تتعدّى السدرة ، ولا يظهر لها حكم فيما دون السدرة خارج الجنة في المقام الذي يستقر فيه فاعله آخر الأمر . هذا إذا كان فعلا حسنا ؛ وإن كان سيئا فإنّه لعدم صعوده وخرقه عالم العناصر يعود فيظهر نتيجته للفاعل سريعا ويضمحلّ ويفنى أو يبقى في السدرة .
وأمّا الموحدون ومن يكون أمره تابعا للأمر الإلهي الكلي أو الجزئي المعين فإنّ صور أفعاله تنصبغ - كما قلنا - بصفة علمه ويسري فيها روح قصده ويحفظها الحق من حيث رحمته وأحصاه بموجب حكم ربوبيته ؛ فإن غلب على الفعل حكم العناصر وصورة النشأة العنصرية انحفظت في سدرة المنتهى منبع الأوامر الشرعية الباعثة على الفعل فإنّها غاية العالم العنصري ومحتد الطبيعة من حيث ظهورها بالصور العنصرية فجعلها الحق غاية مرتقى الآثار العنصرية ؛ فإنّ أفعال المكلفين بالنسبة الغالبة نتيجة الصور والأمزجة المتولدة من العناصر والمتركبة منها ؛ فلهذا لم يمكن أن يتعدّى الشيء أصله . فما هو من العناصر لا يتعدّى عالم العناصر . فإن تعدّى فبتبعية حقيقة أخرى تكون لها الغلبة والحكم إذ ذاك ؛ فافهم فإن خرقت همة الفاعل وروحانيته عالم العناصر بالغلبة المذكورة
هامش
( 1 ) . ن : - على .