الكمال صارت نفسا إلهية ذات جنود عقلية وعساكر ربانية ؛ إذ ليس في المرتبة العقلية إلّا هو هو ولا هاهنا تعدد وتكثر غيره ؛ وإنّما التكثر في مرتبة النفس التي هي عدد متحرك في اصطلاح القدماء فالجنود العقلية إنّما تصحبها وتلزمها .
وهذا الذي حققنا هو مراد بعض أساطين الحكمة من قوله : « النفس عقل بالذات ونفس بالعرض كما أنّها نفس بالذات وطبع بالعرض » . ولعلّه أشار إلى ذلك ما قاله معلّم الحكمة في كتابه المسمى بأثولوجيا غير مرة « 1 » من أنّ الواحد الحق لمّا أبدع العقل نظر إليه فصار عقلا ، إلى غير ذلك من التعبيرات التي وقعت في عبارته .
بارقة [ 35 ] [ وجه تمتع النفس الإلهية بالسمع والبصر ]
لمّا صارت هذه الأنفس الإلهية الشريفة مرآة لوجهه الأعلى فرأى سبحانه فيها وجهه الذي لا يبلى وسمع كلامه من الوجه الذي رأى ، تمتّعت النفس الكريمة بالسمع والبصر ؛ لأنّ رؤية الوجه - كما قلنا - تقتضي ذينك الإدراكين من جهة الرائي فيلزمانها من جهة المرئي لأنّ الرائي هنا ليس في تقابل المرئي ؛ وإلّا لزم التحديد المنفي بل إنّما ظهر من الباطن كما أنّه بطن من الظاهر .
ثمّ إنّ هاتين القوتين صارتا وارثتين « 2 » منها عند قيام النشأة الآخرة ؛ لأنّهما كأنّهما سببين لها لما عرفت أنّ النفس متسببة عن الرؤية التي تستلزمهما ، وقد منّ اللّه تعالى على عباده في غير موضع من كتابه بتينك القوتين ، قال سبحانه :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
« 3 » وفي مروي الأدعية : « ومتّعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارثين
هامش
( 1 ) . منها : في الميمر العاشر ، ص 134 .
( 2 ) . ن : وارثين .
( 3 ) . النحل : 78 . وفي النسخ : « جعلنا » وهو سهو .