الواقعة خلفها الموضوعة وراء ظهرها حين ما تواجه تلك النفس شطر العالم الأعلى الذي هو مسقط رأسها ؛ وهذا التوجه هو أحد معاني « الإقبال » في حديث العقل ؛ أو حين ما تواجه النفس شطر العالم الحسي الذي هو موضع قدمها فتقع المادة حينئذ أيضا وراءها ، وهذا هو معنى « الإدبار » المقابل للإقبال في ذلك الحديث ؛ وذلك لأنّ المادة لقبولها الذاتي وتهيّؤها الاستعدادي أبعد من النفس بالنظر إلى وجهتها وأخفى في عقب أستار آثارها ، فتكون المادة للنفس المصيقلة « 1 » الصافية كالزنبق المحلول عقيب الزجاجة .
بارقة [ 32 ] [ الصورة الإنسانية هي مرآة لوجهه الكريم ]
أشرف الصور على الإطلاق هي الصورة الإنسانية بالاتفاق ، قال عزّ من قائل كريم :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
« 2 » ذلك لأنّ اللّه سبحانه بمقتضى المحبوبية الذاتية خلقها مرآة لوجهه الكريم « 3 » ومجلاة لصفات جماله القديم ليرى فيها كمالاته الذاتية وصفاته الكمالية ، فانطبعت أحكامها فيها انطباعا أشرف وأعلى مما يتصور وظهرت فيها ظهورا كما ينبغي لكرم وجهه الأنور .
فلمّا رأى فيها وجهه الكريم بكمال ذاته ونظر إلى كمالاته المنعكسة فيها بمجامع صفاته وسمع منها اقتضاءها الطلبي « 4 » للظهور والإظهار وكان تعالى مبتهجا بذاته
و
هامش
( 1 ) . ن : المصقّلة .
( 2 ) . التين : 4 .
( 3 ) . إشارة إلى الحديث القدسي المشهور بين العرفاء وبعض علماء الأخلاق ، بعضهم نقله خطابا من الله لداوود النبي عليه السّلام لمّا قال : « يا ربّ لماذا خلقت الخلق ؟ قال : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف » وبعضهم رواه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله عن ربّه . قال السيوطي في « الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » ( هامش الفتاوى الحديثة لابن حجر ، ص 193 ) : « لا أصل له » . وقال ابن عربي في الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 399 : « ورد في الحديث - الصحيح كشفا ، الغير الثابت نقلا - عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن ربّه : « كنت كنزا » .
( 4 ) . ن : الطلب .