فتصوير النفس للأمور البادئة في أول الخلقة إنّما هو على حسب ما تقتضيه الطبيعة وتقبله المادة الجسمانية ، فتصير النفس كأنّها بعينها الطبع وتتقلّد كل ما يحكم عليها ذلك الشرع فهي في هذا العالم نفس بالذات وطبع بالعرض كما أنّها في عالم العقلي عقل بالذات ونفس بالعرض ؛ ففي البسائط تفعل فعلا واحدا كالاستدارة وما يضاهيها ، وفي المركبات على تخالف مراتبها وتفاوت درجاتها في التركيب ، فيأخذ منها كل مركب ما يناسبه بقدر النصيب :
ففي ما لا قوى له كالمعادن يفعل بحسب اختلاف الأمزجة في التلطيف والتكثيف ما تتكوّن فلزّات مختلفة من الخسيس والشريف ويقرب فعلها فيها من الاستدارة إلّا أن يعوقها عن ذلك عائق فيحصل لها ما يحكم بين المتخاصمين بالأمر « 1 » اللائق .
وفي النبات تفعل ما يطلبه قوى الحركة في الأقطار ويستدعيه بقاء النوع والشخص من الأوراق والأغصان والأصول والعيدان إلى أن يحصل منه ما يقتطف ويجتنى من الثمار ويعيش بها الحيوان في البلاد والصحاري والقفار .
وفي الحيوان تفعل ما تقتضيه القوى النامية ويرتضيه الحسّ والحركة الإرادية من الآلات الطبيعية والأدوات العلاجية لحمل أعباء النبوة الإنسانية وصيرورتها غذاء لتلك اللطيفة الإلهية وخادمة لهذه المخدومة الربانية ، فصار بعضها حوارس لتلك الخزانة الملكوتية ، وشطر منها حواضن لهذه البضعة النورانية ، إلى غير ذلك من ضروريات الخدمة .
لكن في النوع الإنساني يزيد على ذلك بالاستقامة والرشاقة على مضاهاته من الأمور العالية وقربه من العوالم الفوقانية ونسبته إلى الأجرام الأرضية فصار مستقيم القامة معتدل الاستقامة ولكونه قائما على تلك النفوس الأرضية بالسلطنة القاهرة والملكة الباهرة وكونه مفرغا فيه كمالات النفس الإلهية الملكوتية بحيث لا يشذّ منه
هامش
( 1 ) . ن : بالأثر .