المعنى بمنزلة الملكة للصانعين وهذا غير خاف على العالمين ، وإذ ليس في النفس المدبّرة للمواد السفليّة تلك الملكة كما لا يخفى على أهل المعرفة ، فذلك المعنى لا محالة صفة من صفاتها وجهة من جهات ذاتها ، وقد دريت أنّ كلّ ما يوجد في عالم المواد فهو من فعل النفس على الكمال فإذن فيها جميع ما في المواد من الصور والأعراض والألوان والأشكال ، ولمّا كان أثر الشيء حكاية لما في نفس المؤثّر من المعاني والصّفات ولا ريب أنّ المحكي أشدّ تأصّلا وأقوى تحققا « 1 » من الحكاية في بداهة الرويّات « 2 » ففي النفس كلّ الأشياء على سبيل الأصالة والاستحقاق « 3 » و
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 4 » .
بارقة [ 17 ] [ في الصورة النباتية ]
قد استبان أنّ صور الحقائق المركّبة الجهات إذا انطبعت في المادّة يجب أن تشتمل على أطراف متفاوتة ، وذلك إنّما « 5 » يتصوّر على أنحاء لا تحصى ولا يحيط بها إلّا البارئ تعالى « 6 » لكن يلزمها بكلّها رأس ورجل ووسط ، أمّا الأوّلان فبالنظر إلى ما فوقها وما تحتها ، أمّا الأخير فإنّه لا يكون الطرفان بدون الوسط ، ثمّ إنّه مع هذا اللّازم يجمعها برمّتها ثلاث صور أصول لا يخلو من واحد منها شيء ذو حصول : إحديها ما للنبات وهي التي رأسها الذي هو أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء ، وذلك لأنّ النفس في هذه المرتبة غير مستقلّة بالظهور ولا تامّة في إبراز ما يكمن فيها في عالم النور فهو كالرّضيع من ثدي أمّهات السفليات ، وإنّما الفيض يأتي إليه من طرف السفل من العلويّات فلا يعيش إلّا مكبّ الرأس على أرض المادّة ليستفيض الأثر الفائض عليها من الآباء
هامش
( 1 ) . م : - أقوى تحققا .
( 2 ) . م : - في بداهة الرويات .
( 3 ) . م : - والاستحقاق .
( 4 ) . النحل : 96 .
( 5 ) . م : - إنّما .
( 6 ) . م : - ولا يحيط لها . . . تعالى .