والتجرّد تركيب ، ولا يتصوّر هناك بين الشيء وقواه تبعيد وتقريب ؛ فلا بدّ أن تكون في النفس كثرة جهات وتعدّد حيثيات ؛ ولهذا قيل : النفس عدد متحرك . وهذا الذي قلنا من ذلك ؛ ولأنّ تلك المعاني أمور حقيقية ومباد عينية يميّز به « 1 » العقل بعضها عن بعض ويحكم عليها بالإبرام والنّقض ؛ فوجب من ذلك أن تكون هذه الجهات بحيث لو أفرغت تلك النفس القدسية في القوالب الجسمية لم يكن بدّ من أن يكون لكلّ واحدة من هذه الجهات مقام معلوم ولكل منها شرعة ونصيب مقسوم « 2 » ، قال تعالى حكاية عن تلك المبادئ :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ
ونحن
الْمُسَبِّحُونَ
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 3 » .
بارقة [ 11 ] [ إشارة إلى بعض قوى وجهات النفس مع وحدتها ]
فالتصور العقلي يطلب قوّة دماغية فكرية بخوادمها من القوى المدركة وشيعتها من القوى الخيالية والحسّية ، قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
« 4 » مشيرا إليها ؛ وكذا المشيّة والإرادة تستدعي قوة قلبية نزوعيّة وما يتبعها من القوى الشوقية ومقابلاتها من الغضبية برمّتها ، قال تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
« 5 » ،
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
« 6 » ،
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
« 7 » .
وكذا الحركة العقليّة في الحجب السرّية تقتضي قدم صدق عند مليك مقتدر والطلب والاقتدار والميل من الجنّة السافلة « 8 » إلى العالية يستدعي الجوارح من اليدين والجنبين والقوى الآلية « 9 » والجذب والإمساك والنّماء ؛ وكذا التّصوير والدّفع وأضرابهما يتطلب « 10 »
هامش
( 1 ) . ن : - به .
( 2 ) . م : - ولكل منها شرعة ونصيب مقسوم .
( 3 ) . الصافات : 166 .
( 4 ) . النحل : 78 وفي النسخ : « وجعلنا لكم » وهو سهو .
( 5 ) . الزخرف : 71 .
( 6 ) . ق : 37 .
( 7 ) . البقرة : 30 .
( 8 ) . ن : الجنبة السافلية .
( 9 ) . ن : العالية .
( 10 ) . ن : يطلب .