الجسدانية الإرادية لا يكون إلّا مع الحياة ، ولذلك « 1 » قد صحبه في هذا السير البراق الحياة وجسمه « 2 » المبارك الذي هو ملكوت الجسمانيات .
فلمّا جاوز مقام الحيوان ووصل إلى سدرة المنتهى التي هي حقيقة الإنسان - إذ هي فوق ذلك كما أنّ السدرة فوق السماء السابعة - أمر بالنزول عن البراق وخلع النعلين ، إذ مركب الحياة الحيوانية إنّما هي من الأجسام وللأجسام ، وإلّا ففوق ذلك أي فوق السماوات حياة كله ونور كله بل حياة في حياة ونور في نور .
وعبّر عن الأجسام ب « النعل » ؛ لأنّها وقعت في الصف الأخير وأسفل مراتب الوجود وقعدت في صفّ النعال من مجلس الشهود ؛ وإلّا فحين كان صلّى اللّه عليه وآله في مضجعه فعرج به لم يكن معه النعلان المكّيان .
فلمّا « 3 » بلغ إلى الحقيقة الإنسانية التي هي شجرة طوبى وسدرة المنتهى شرع في موافاة قواه النفسية ، فعرض عليه الملائكة ، وظهر له الأنبياء والرسل السابقة ، ورأى كل من في النار والجنة من الأمم المتقدمة والمتأخرة إلى يوم القيامة . ولذلك « 4 » ورد أنّ في هذا السير أعني بعد النزول من البراق تحمله الملائكة برفرف يدلى من فوق وتوصله من حجاب إلى آخر إلى أن وصل إلى آخر الحجب وتمّ سيره النوري النفسي هناك ؛ ثمّ عرج بعقله القدسي في سرادقات الجلال إلى أن انتهى إلى اللّه المتعال ، ثمّ إلى ما شاء اللّه من أنوار الوحدة والفردانية .
وبالجملة ، تخطّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في معراجه تلك المقامات الثلاثة بأن خلع أولا نعله الملكي « 5 » الجسماني وذلك في منتهى سيره في ملكوت السماوات والأرض ، ثمّ خلع إزاره النفسي في منتهى سيره في الحجب التي ضربت على سرادقات الجلال ، ثمّ خلع رداءه العقلي في وصوله إلى اللّه العلي ، فلم يبق بينه وبين ربّه أحد وصار عريا عن الكل ، بريئا عن القلّ والجلّ ، كما في اليوم الذي فيه تولّد ؛ وذلك إذا تجلّى اللّه له بما لم يظهر
هامش
( 1 ) . ن : فلذلك .
( 2 ) . ن : جسم .
( 3 ) . م : قلعها .
( 4 ) . ن : فلذلك .
( 5 ) . ن : المكي .