إدراك الأمور الغير الموجودة في الخارج فإنّما يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ؛ بالجملة ، لمّا كانت أنحاء الإدراكات مختلفة حسب تخالف القوى الإدراكية كذلك اختلفت أنواع المدركات حسب تفاوت أنحاء الإدراكات ، فبعض الأمور الخارجية مما يدركها النفس بقواها الظاهرة ، وبعضها مما يدركها النفس أيضا لكن بالحواس الباطنة ، وبعضها مما يدركها النفس بقوتها العقلية ونفس ذاتها « 1 » الدرّاكة . كلّ ذلك مما جرت به سنة اللّه التي لا تبديل لها وحكمت عنايته وهدايته للكل إلى ما هو أليق به وأولى . فكما أنّ المدرك في الكل شيء واحد هي النفس كذلك المدرك - بالفتح - في الجميع أمر واحد هو الشيء الخارجي . فكما أنّ أنحاء الإدراك لا يخرج النفس عن كونها مدركة كذلك أقسام المدركات لا يخرجها عن كونها خارجية .
المقدمة الثالثة [ نسب الحركة في التوسطية والقطعية ]
قد ثبت في السماع الطبيعي أنّ للحركة نسبة إلى المتحرك لكونها قائمة به ، ونسبة أخرى إلى ما فيه الحركة أي المسافة ، أو ما في حكمها لكونها منطبقة عليها ، وبهاتين النسبتين تكتسب الحركة تقدّرا « 2 » بالتبع ، وكذلك للمتحرك نسبة إلى الحركة ونسبة إلى ما فيه الحركة :
فالذي يسمّونه ب « الحركة التوسطية » هي نسب عارضة للمتحرك بسبب الحركة إلى حدود المسافة فيمتنع أن يكون هذه النسب وجودا للحركة ، إذ هي متسببة عن الحركة ، كما يظهر من شرح اسم الحركة التوسطية من أنّها عبارة عن كون المتحرك بين المبدأ والمنتهى بسبب ما يعرضه من الحركة هذا .
وكذا التي يسمّونها ب « الحركة القطعية » فإنّما هي عبارة عن نسبة « 3 » الحركة إلى المسافة أو ما في حكمها وليس يمكن أن يكون ذلك كونا للحركة ؛ لأنّ النسبة متأخرة عمّا يقوم هي
هامش
( 1 ) . م : هذه .
( 2 ) . ن : تعذرا .
( 3 ) . م : النسبة .