النفس ، وصور الأجسام إنّما هي أفاعيل النفس وإظهارها الجواهر الإلهية المودّعة في سرّ العقل إلى بساط الشهود ليشتريها الجوهري العاقل والصيرفي الحاذق ، ويسبك منها ما يصلح للسبيكة ، ويدّخر منها ما ينبغي للإدخار في خزائنه العقلية ، ويجعلها بضاعة لسفره إلى الآخرة ؛ فالعقل هو البضاعة وهو البائع والمشتري في الحقيقة .
وممّا يجب أن تعلمه هنا « 1 » هو أنّ هذا الترتيب من الواجب في الرحمة الإلهية أن يتحقق في الصور الأخروية ، فإذا كان كل نفس ذائقة الموت فحينئذ تبقى الهيولى في ظلمة القوة ، فيعطيها الله المنشيء أولا صورة من الصور المعدنية ، فيعطي بعضا قصرا من ياقوت وطائفة من سائر المعادن على حسب اختلاف درجاتهم ، ثم يعطيها صورة نباتية أخروية من جنات ونخيل وفاكهة مما يتخيّرون ، ثم يحييها حياة طيبة أخروية وأطعمها لحم طير مما يشتهون ، ثم يجعلها إنسانا أخرويا ويخدمه بغلمان وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، ثم إلى ما شاء وهم درجات عند الله وما عند الله خير للذين يتقون ، وتحت هذا أسرار لا رخصة في إفشائها .
تذييل [ شرح حديث نبوي وفيه إشارة إلى الصور الأخروية وهيولاها ]
روى شيخنا الطبرسي في كتاب الاحتجاج « 2 » بإسناده عن ثوبان إنّه قال :
إنّ يهوديا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقال : يا محمد أسألك فتخبرني .
فوكض ثوبان برجله وقال : قل يا رسول الله . فقال : لا أدعوه إلّا بما سمّاه أهله .
فقال : أرأيت قوله عزّ وجلّ :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
أين الناس يومئذ ؟
قال صلّى اللّه عليه وآله : في الظلمة دون المحشر .
قال : فما أوّل ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها ؟
هامش
( 1 ) . ن : هاهنا .
( 2 ) . الاحتجاج ، ج 1 ، احتجاج النبي صلّى اللّه عليه وآله على اليهود ، ص 50 .