إذا لوحظت جهة الشركة فهي ليست تصلح لجهة الفاعلية وإلّا لكان الشيء فاعلا لنفسه بناء على ما هو الحق عندنا من جعل الطبائع . وأمّا ذلك الأمر المنضم فهو عين جهة المباينة « 1 » فكيف تكون هي نفس الخصوصية .
فإذن هذه الخصوصية إمّا نفس ذات العلة بما هي حقيقة متميزة بنفس ذاتها عمّا عداها من دون اعتبار جهة أو حيثية - كما هو رأي جماعة - ، أو هي نحو تعقل تلك العلة لذلك الشيء مع الاقتدار عليه ، إذ العلم له نسبة إلى العالم والمعلوم جميعا كما لا يخفى . وهذا هو المراد من الخصوصية مع القول بالتباين التام بينهما بالحقيقة ، كما هو طريقة طائفة ؛ فلأجل ضعف الصنعة عن التأثير التام يكون المصنوع بالصناعة أثرا لما في ذهن الصانع من العلم ؛ وأمّا في الطبيعة وما فوقها فالمصنوع هو عين علم الصانع به ، أو ما في باطنه مما يقوم مقام العلم أي المعلومات المودّعة فيه ، إذ لا فكر ولا روية في الفواعل العالية . وهذا هو معنى العلم الفعلي بالتحقيق - على ما نقل رئيس مشائية الإسلام عن الحكماء الأعلام - فظهر من ذلك أنّ المعلول هو الصورة الظاهرة لباطن العلة وسرّه الذي ظهر في تلك المرتبة .
فتوح [ 26 ] [ كل سابق مادة أو كالمادة للاحق ]
ومن ذلك فاعرف أنّ كل سابق فهو مادة أو كالمادة للاحق وكذا المتأخر صورة للمتقدم ، فالجسم المكمّم مادة لصور النوعيات ، والجسم مادة للأبعاد ، والنفس للجسم الأول والعقل للنفس ، فالأبعاد صورة للجسم كما أنّ الصورة النوعية صورة للمجموع ، والجسم صورة للنفس ، وهي صورة للهوية العقلية ، والله سبحانه مبدأ المواد والصور ؛ لأنّ فاعل الشيء لا يتصف بذلك الشيء والله لا يوصف بخلقه ؛ ولأنّ الكل هالك عند وجهه الكريم .
ومن ذلك فليتحدس إلى ما نقل عن أكابر أهل الله أنّ العالم كله كالأعراض من حيث أنّه
هامش
( 1 ) . ن : المتباينة .